إمام المسجد النبوي يوضح ضوابط الترويح في الإسلام
أكد إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي أن الإسلام دين اليسر والرحمة والاعتدال، وأباح الترويح عن النفس بشرط أن يكون في دائرة المباح، وألّا يشغل عن الواجبات أو يفضي إلى الحرام، وأن يكون عونًا على طاعة الله وتجديد النشاط. جاء ذلك في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم.
الترويح وسيلة لاستعادة النشاط وتقوية العزيمة
وقال الشيخ الثبيتي: "الترويح في الإسلام انتقال من نفع إلى نفع، تضبطه آداب الشرع وضوابطه". وأضاف أن الشريعة وافقت الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فالنفوس تكل والأبدان تضعف والقلوب تفتر، والإنسان مهما بلغت همته يحتاج إلى فسحة يسترد فيها نشاطه ويجمع بها شتات نفسه. واستشهد بقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾، مبينًا أن السير في الأرض ليس انتقالًا بالأبدان فحسب، بل رحلة في آيات الله وتأمل في بديع صنعه.
تحذير من اختزال الترفيه في الشاشات
وحذر إمام المسجد النبوي من اختزال الترفيه في الإدمان على الشاشات ووسائل التواصل، بما يورث تشتت الذهن وضعف الصلة بالأسرة وكتاب الله. وقال: "من أعظم ما ابتلي به الناس في هذا الزمان أن مفهوم الترويح اختزل عند كثير منهم في الشاشات، فأصبحت الإجازات تمضي بين المقاطع القصيرة ووسائل التواصل، حتى تنقضي الأيام ولا يبقى منها إلا تشتت الذهن وفراغ القلب". ووصف ذلك بأنه "متعة عابرة، وأثرها قصير، وثمنها كبير".
الترويح النافع يجمع بين متعة الجسد وغذاء القلب
ودعا الشيخ الثبيتي إلى ترفيه يجمع بين متعة الجسد وغذاء القلب ونور العقل، مؤكدًا أن الترويح لا يعرف بصورته وإنما يعرف بأثره. فإذا عاد الإنسان من راحته أكثر طمأنينة وأشرح صدرًا وأقوى عزيمة وأحسن خلقًا وأقبل على طاعة ربه، فقد وفق إلى الترويح النافع. أما إذا أورثه كسلًا أو فتورًا أو غفلة أو ضياعًا للأوقات، فقد أخطأ الطريق وإن ظن أنه يستمتع.
الاعتدال في الترويح ضروري لتجنب الإفراط
وأشار فضيلته إلى أن النعم لا تكمل إلا إذا استعملت فيما يرضي الله، ولذا أحاطت الشريعة الترويح بآداب تحفظه وضوابط تزكيه، فيبقى في دائرة الحلال بعيدًا عن كل محرم، ولا يصد عن صلاة ولا يضيع حقًا ولا يقطع رحمًا ولا يلهي عن واجب ولا يفضي إلى معصية. ودعا إلى الاعتدال فيه، قائلًا: "ما جاوز حده انقلب إلى ضده، ورب مباح أفسده الإفراط، ورب متعة أورثت صاحبها حسرة، ورب ساعة لهو أورثت القلب غفلة وأضاعت من العمر ما لا يعوض".
السنة النبوية تؤكد مشروعية الترويح المباح
وأوضح الشيخ الثبيتي أن السنة النبوية تؤكد هذا المعنى بأوضح بيان، فكان رسول الله ﷺ يمازح أصحابه ولا يقول إلا حقًا، ويسابق أهله، ويقر اللهو المباح، ويأذن بما يدخل السرور على النفوس إذا خلا من الإثم. فالترويح في الإسلام لا يعني الهروب من المسؤوليات ولا الانقطاع عن العبادة ولا إهدار الوقت، وإنما هو انتقال من عمل إلى عمل ومن نفع إلى نفع، حتى إذا استراح الجسد لم يغفل القلب، وإذا فرحت النفس بقيت معلقة بربها.



