اختلاف نظرة الناس إلى العالم لا يعود إلى اختلاف الوقائع ذاتها، بل إلى اختلاف القلوب والبواطن التي تستقبل هذه الوقائع، وفقًا لمقال نشرته منصة «حياتنا». فالنفس أشبه بمرآة باطنة تتقدم البصر إلى الأشياء فتكسوها من ظلالها ما تشاء، والإنسان يميل دائمًا إلى رؤية ما يوافق قناعاته المسبقة.
العيون ليست سواءً وإن تشابهت في الخلقة
يؤكد المقال أن العيون ليست متساوية في الرؤية، فكم من عين وقفت أمام المشهد ذاته ثم خرجت منه بقراءة أخرى ومعنى مختلف، ليس لأن الحقيقة تعددت، بل لأن الأرواح التي تلقت المشهد كانت مختلفة. فالإنسان لا يرى العالم بعينيه وحدهما، بل يراه بما يختزنه في أعماقه من قناعات وانفعالات وآثار تركها الزمن.
ويضرب المقال مثالًا على ذلك: قد يرى أحدهم في المطر بشارة حياة، بينما يراه آخر إيذانًا بالعناء وتعثر المسير. وقد يقف اثنان أمام شخص واحد، فيرى فيه أحدهما مواطن الفضل وخصال الخير، بينما لا تقع عين الآخر إلا على مكامن القصور والنقص.
النفس كمرآة باطنة تكسو الأشياء بظلالها
يوضح المقال أن النفس أشبه بمرآة باطنة تتقدم البصر إلى الأشياء، فمن عمّر قلبه الامتنان أبصر في الهامش نعمًا تستحق الاحتفاء، ومن أنهكته خيبات الأيام لم يقع بصره من النعمة إلا على ما غاب منها لا على ما حضر. ولذا فإن كثيرًا من خلافات البشر لا تنشأ لأنهم شهدوا وقائع مختلفة، بل لأنهم تلقوا الوقائع نفسها بقلوب مختلفة.
ويتناول المقال ظاهرة نفسية لافتة: أن الإنسان يفتش دائمًا عما يؤيد ما يؤمن به، فإن أحسن الظن بالناس وجد دلائل الفضل حيثما اتجه، وإن أقام في ظلال الريبة التقط من المواقف ما يغذيها ويزيدها رسوخًا. وكأن العين ترجمان القلب، لا تنقل إليه الأشياء كما هي دائمًا، بل كما استقر معناها في أعماقه.
الحكمة في نقاء البصيرة لا حدّة البصر
يؤكد المقال أن الحكمة لا تكمن في حدّة البصر بل في نقاء البصيرة، فالعين قد ترى الصورة أما البصيرة فتنفذ إلى معناها، والعين قد تدرك المظهر أما البصيرة فتلامس الجوهر. وكم من إنسان امتلك عينين سليمتين لكنه عجز عن رؤية الجمال في الحياة، لأن غبارًا في داخله كان يحجب عنه صفاء الرؤية.
ويدعو الكاتب إلى الاعتناء بالقلب قبل لوم ما تقع عليه العينان، فحين يصفو الداخل يتنفس العالم حوله ضياءً أرحب، وحين يزدهر الفكر يُبصر الفرص حيث لا يرى غيره إلا العوائق، وحين يمتلئ القلب رحمة يرى أعذار الناس قبل أخطائهم.
الأشياء تكشف بقدر ما نملك من قدرة على رؤيتها
يختتم المقال بالقول إن الحقيقة الأعمق أن الأشياء لا تكشف لنا عن ذاتها كاملة، بل تكشف لنا بقدر ما نملك من قدرة على رؤيتها. فالعالم واحد في جوهره، غير أن طرق النظر إليه بعدد القلوب التي تعبره، وكل عين تبصر ما يوافق وجهتها، وكل روح تعثر في الأشياء على شيء منها. ويختم بدعوة: «فاحرسوا قلوبكم.. فليست العيون إلا نوافذ لها، وما تبصره الأبصار كثيرًا ما يكون الصدى الخافت لما يختبئ في الأعماق».



