التشابه بين المحللين الرياضي والسياسي
ثمة تشابه وثمة اختلافات بين المحلل الرياضي والمحلل السياسي، لكن جوهر الوظيفة واحد. فكلاهما يعمل على بسط وجهات نظره في صراعات بين كيانات، مع ترجيح طرف على آخر بأي ثمن. هذه العبارة تمثل عمق التشابه، حيث تعني أن تقف مع الكيان الذي تنطق باسمه بالحق والتدليس والمراوغة والتلاعب بالأرقام وبكل ما يطوله اللسان البشري.
المنازعات بين الدول لا تختلف عن المنازعات بين الفرق الرياضية. اللاعبون في الملعب يمثلون جنود المحلل الرياضي، والجيوش والسياسيون يمثلون لاعبي المحلل السياسي. التشابه يمتد إلى المتابعين، فالمتابع للتحليلات عند كلا الطرفين غالباً لا يتوق لكلمة الحق أو الإنصاف، بل ينتظر من المحلل أن يقول ما يتفق مع ميوله، وهو أصلاً لم يأتِ لهذه القناة أو يتابعهما على وسائل التواصل الاجتماعي إلا ليشبع ميوله ويعزز أيديولوجيته.
ظهور المحللين عند احتدام الصراع
كلاهما يتجلى عندما يحتدم الصراع. فالمحلل الرياضي ينتظر سخونة الدوري والاقتراب من نهايته، والمحلل السياسي يتجلى عندما تدخل دولتان في حالة احتراب علني أو تراشق إعلامي صريح. لكن هذا التشابه العميق بين الرياضي والسياسي ينطوي على فراق لا يمكن ردمه، وأهم مناطق الفراق تكمن في كلمة واحدة هي "الولاء".
الفراق في مفهوم الولاء
المحلل الرياضي ربما يتقاضى أجراً للظهور على الشاشة، أما في وسائل التواصل الاجتماعي ففي الغالب يعمل تطوعاً، بينما المحلل السياسي يتقاضى أجراً أينما كتب أو فتح فمه. بهذا يتميز المحلل الرياضي عن زميله بالولاء الصافي الذي لا يحيد عنه، حتى وإن خرج ضيفاً على شاشة تنتمي للفريق المعادي، سنراه يقف مع ناديه وقفة أسد. بينما المحلل السياسي يمتلك انتماءً متحركاً وعابراً للدول، ولن تفاجأ إذا رأيته في هذا العام يساند دولة وفي العام الذي يليه يساند الدولة المنافسة بل والمعادية. هذا التنقل ستراه عند غالبية المحللين السياسيين القادمين من دولة ثالثة، أي أن بلادهم ليست طرفاً في التنازع القائم. بالطبع هناك أقلية تصمد إما بسبب الانتماء الوطني أو الأيديولوجي أو بسبب جزالة العطاء.
استضافة البرامج للمحللين
لا نستغرب أن تستضيف البرامج الرياضية المحلل الموالي لتوجه القناة ونقيضه، أما القنوات السياسية فلا تستضيف سوى من يتفق معها. لا يوجد بين المحللين الرياضيين مستأجرون حسبما توحي كلمة مستأجر، أي أنه يعمل مع هذه القناة بما يتفق مع أيديولوجيته وانتمائه. لا يمكن على سبيل المثال أن ينتقل محلل نصراوي إلى قناة هلالية ليطعن في النصر، ثم تستأجره قناة اتحادية ليطعن في الأهلي والهلال والنصر أيضاً. يمكن أن يظهر محلل هلالي على قناة اتحادية ليطعن في الأهلي، شريطة أن يكون الطعن في الأهلي يتفق مع مصلحة الهلال ومن أجل الهلال، فهو يأتي للقناة لتمثيل فريقه أياً كانت هذه القناة. الثبات على الولاء نهج ستراه عند كل المحللين الرياضيين. هذا لا يعني أن المحلل الرياضي لا يأخذ أجراً على تحليلاته، فأجر المحلل الرياضي الأجر الطبيعي؛ أجر التعب وليس أجر التنازل ونقل الولاء.
القضية كعقيدة عند المحلل الرياضي
القضية بالنسبة للرياضي إيمان يرقى لمرتبة العقيدة، وبالتالي ليس كل ما يقوله مجرد أكاذيب محضة حتى وإن كانت كذلك، فهو لا يدرك تلاعبه وتحويره للأرقام والحقائق من الزاوية الموضوعية وإنما يراها كمهمة تبشيرية يؤجر عليها. من الطبيعي تفشي استخدام نظرية المؤامرة عند الطرفين كأداة لا غنى عنها. تكمن ميزات نظرية المؤامرة في قدرتها على تعبئة الفراغات التي تحدثها الأكاذيب وتزييف المعلومات والتلاعب بالحقائق.
أنواع المحلل السياسي
لو أجرينا قراءة سريعة عن نوعيات المحلل السياسي يمكن تلخيصها في التالي: هناك محلل سياسي حكومي يسير على ما تراه حكومته بالمسطرة، وهناك محلل سياسي وطني يتفق مع حكومته استراتيجياً ويختلف معها أحياناً في التفاصيل، وهناك محلل مؤدلج يبرمج كل ما يصادفه من أحداث وفقاً للأيديولوجيا التي يعتنقها، وهذا أكثر المحللين السياسيين استخداماً لنظرية المؤامرة لأنها كما قلنا تملأ الفراغات التي لا يقبلها العقل. وهذا المحلل مفيد للاستخدام السياسي عند توظيف الطائفية في الصراع السياسي، ولكنه على أي حال الأقرب للمحلل الرياضي في مسألة الولاء. وهناك محلل برسم الإيجار وهذا الأكثر انتشاراً على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي. ميزة هذا المحلل الأساسية تقلب الولاء حسب السوق، ستجده اليوم يكيل المديح لدولة غير بلاده، ويهاجم دولة أخرى غير بلاده ويأخذ الأجر من دولة غير بلاده. ولكن المحلل المستأجر لم يقف عند هذا بل ظهر فيهم المحلل الخائن كتطور طبيعي للإنسان الذي يؤجر أخلاقه وقيمه. هذا الخائن لا يشتم الطرف الآخر ولكن تراه متخصصاً في شتم بلاده الأصلية. الشيء المهم أن جميع المحللين السياسيين المستأجرين عدا الخائن يأتون من دولة ثالثة لا علاقة لها مباشرة بالصراع بين الدولتين المتقاذفتين.
ظاهرة جديدة في المحللين السياسيين
في الماضي القريب كان معظم المستأجرين تنتجهم دولتان عربيتان مع قليل من هنا أو من هناك. اليوم برزت ظاهرة جديدة لم نعرفها من قبل وهي ولادة محللين سياسيين للإيجار أكثرهم من دولة بعينها. وإحقاقاً للحق أظهر المحللون السياسيون الخليجيون المستأجرون قدرة على منافسة العرب المستأجرين وأثبتوا أنهم منافسون شرسون من الصعب مجاراتهم. ما يستحق الدراسة ظاهرة بعض الخليجيين العابرين للولاءات، وبروز عدد من "الخونة" الشامتين والشاتمين لبلادهم الأصلية.



