خطيبا الحرمين يؤكدان على تقوى الله ويوضحان معاني السعي
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس المسلمين بتقوى الله عز وجل، والمسارعة إلى اغتنام مواسم الخير والطاعات، مؤكداً أن فريضة الحج من أعظم شعائر الإسلام التي تتجلى فيها معاني الهداية والبركة، في رحاب البيت الحرام الذي جعله الله تعالى: (مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ).
وأوضح خلال خطبة الجمعة التي ألقاها في المسجد الحرام أن مكة المكرمة حباها الله بمكانة فريدة، فهي مهبط الوحي، ومبعث الأنبياء، ومهوى أفئدة المسلمين، وفيها أول بيت وضع للناس لعبادة الله، مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ). وأشار الشيخ السديس إلى أن من أعظم خصائص البيت العتيق ما اختصه الله به من الأمن والطمأنينة، مستشهداً بقوله سبحانه: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)، وقوله جل وعلا: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، مؤكداً أن هذا الأمن راسخ بحكم الله إلى يوم القيامة، كما جاء في حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة».
وقال فضيلته: «إن الحج عبادة عظيمة تقوم على تحقيق التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، امتثالاً لقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)، والاقتداء بهدي النبي صلّى الله عليه وسلّم»، مبيناً أن من أعظم ثمراته ما ورد في الحديث الصحيح: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
وشدد فضيلته على ضرورة تعظيم حرمة المكان، واستحضار قدسيته، واجتناب كل ما ينافي مقاصد الشريعة، مؤكداً أن البيت الحرام أحاطه الله بسياج من الهيبة والتعظيم، فلا يُعتدى فيه، ولا يُفسد، ولا يُروّع فيه آمن، امتثالاً لقول الله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). كما نبّه الدكتور السديس إلى أهمية وعي الأمة الإسلامية بما تتعرض له من حملات مضللة ودعوات فتنة، مؤكداً أن المرحلة تتطلب التثبت والحكمة واجتماع الكلمة، وتعزيز الوعي بمكانة الحرمين الشريفين بوصفهما قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، داعياً حجاج بيت الله الحرام إلى شكر الله تعالى على نعمة الوصول إلى هذه البقاع المقدسة، والتحلي بحسن الخلق، وجعل ذلك عنواناً لسلوكهم، مع الحث على التعاون، ومساعدة الضعفاء، والالتزام بالسكينة والرفق، وتجنب التزاحم والتدافع.
وأكد إمام وخطيب المسجد الحرام أهمية الالتزام بالأنظمة والتعليمات المنظمة للحج، ومن ذلك أداء الفريضة بتصريح، تحقيقاً للمقاصد الشرعية في حفظ الأنفس وتنظيم الحشود، مشيداً بجهود الجهات المعنية في خدمة ضيوف الرحمن، وما تبذله من أعمال تنظيمية وأمنية تسهم في تيسير أداء المناسك، سائلاً الله تعالى أن يحفظ حجاج بيته الحرام، وأن يتم عليهم مناسكهم بالأمن واليسر، وأن يديم على المملكة نعمة الأمن والاستقرار، وأن يوفق ولاة الأمر لكل ما فيه خدمة الإسلام والمسلمين.
الثبيتي يشرح مفهوم السعي الشامل
كما أوصى إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي المسلمين بتقوى الله تعالى، وطاعة المولى الكريم للفوز بالمغفرة والأجر العظيم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).
وقال فضيلته: إذا تأملت حركة الحياة، رأيت الناس كلهم يسعون، لا يكاد أحد يسكن، ولا يكف أحد عن العمل، ويجلي القرآن هذا المشهد بقوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)، هو سعي واحد في الظاهر للناس، لكنه في الميزان مختلف، إذ تتشابه الأعمال وتفترق المقاصد، فهذا يعمل للدنيا وذاك يعمل للآخرة، وثالث يسعى ولا يدري لم يسعى، فحركة الأيدي واحدة لكن اتجاه القلوب هو الذي يصنع الفارق، إذ تعلو الأعمال بصدق المقاصد.
ومضى فضيلته قائلاً: السعي في الإسلام ليس محصوراً في صلاة أو عبادة ظاهرة، بل هو أوسع من ذلك وأشمل، هو حركة الإنسان كلها، في عمله، وفي بيته، وفي تجارته، وتعليمه، وعلاقاته، وقراءاته، فالمعلم سعي، والتاجر سعي، والطبيب سعي، ورب الأسرة سعي، وكل واحد منهم إما أن يسعى إلى الله، أو يسعى بعيداً عنه، ومن هنا تتجلى القاعدة التي تضبط هذا الاتساع في السعي بقوله سبحانه: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا). وبين فضيلته أن العمل قد يتشابه، لكن الذي يرفعه أو يضعه هو الوجهة التي يتجه إليها القلب، في التعليم قد يتعلم اثنان، فيرتفع أحدهما لأنه أراد الإصلاح، ويخسر الآخر لأنه أراد السمعة، وفي التجارة قد يتاجر اثنان، فيبارك لأحدهما لأنه قصد الحلال وخدمة الناس، ويحرم الآخر لأنه جعل غايته مجرد الكسب.
وأشار فضيلته إلى أن على هذا ينقسم السعي إلى سعي حميد، وسعي ضائع، فأما السعي الحميد، فهو الذي امتلأت به الحياة، لكنه اتجه إلى الله، فالعمل الدنيوي بنية صالحة يتحول إلى عبادة، ويبارك أثره ويكبر، فالنوم بنية التقوى طاعة، والعمل بإتقان عبادة، والإنفاق على الأهل قربة، والسعي في قضاء حوائج الناس إحسان، وأما السعي الضائع فهو الذي يكثر فيه التعب، وتغيب عنه النية، وتضيع فيه الوجهة.
وبين إمام وخطيب المسجد النبوي في ختام الخطبة أنه من أراد الآخرة صدقَ القلب، وقوم الوجهة، وسعى لها سعياً منضبطاً على هدي الشرع، بإيمان يُحيي العمل ويبارك أثره، وإذا استحضر المسلم هذا الفضل العظيم، وعلى سعة العطاء، جاء النداء الرباني العملي: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)، نداء يوقظ قلب المسلم، ويستنهض همته، ليجعل حياته ميدان سباق، بل يجعل حياته كلها لله، في عمله وراحته وفي كسبه وعطائه.



