الاقتصاد الذي بنته الموانئ: قفزة إعادة التصدير من 35 إلى 149 مليار ريال
الاقتصاد الذي بنته الموانئ: قفزة إعادة التصدير

عندما أُطلقت رؤية المملكة 2030، أشار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى حقيقة اقتصادية مهمة مفادها أن المملكة لم تستفد بالشكل الأمثل من موقعها الجغرافي الاستثنائي، رغم أنها تقع في قلب ثلاث قارات وتطل على البحر الأحمر الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية. كانت تلك الملاحظة بمثابة تشخيص اقتصادي دقيق؛ فالموقع الجغرافي يحتاج إلى رؤية واستثمارات وبنية تحتية تحوّل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية.

قفزة مذهلة في إعادة التصدير

اليوم، وبعد أقل من عقد على إطلاق الرؤية، تبدو الأرقام وكأنها تروي قصة هذا التحوّل، وذلك من خلال ارتفاع قيمة إعادة التصدير من 35.4 مليار ريال في عام 2020 إلى أكثر من 149 مليار ريال في عام 2025، في قفزة تعكس نجاح المملكة في تحويل موقعها الاستراتيجي من ميزة كامنة إلى ميزة تنافسية حقيقية. ونستنتج من ذلك، أن المملكة أصبحت مركزاً لوجستياً متنامياً تتقاطع فيه سلاسل الإمداد بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، متجاوزاً فكرة كونه مجرد نقطة عبور على خريطة التجارة الدولية.

الاستثمارات تؤتي ثمارها

هذه الأرقام تؤكد أن الاستثمارات التي ضُخت في الموانئ والمناطق اللوجستية وشبكات النقل والإجراءات الجمركية بدأت تترجم إلى نتائج اقتصادية ملموسة. والأهم من ذلك أنها أيضاً تخبرنا أن الرهان على الخدمات اللوجستية كان استشرافاً مبكراً للتحوّلات التي ستشهدها التجارة العالمية خلال السنوات اللاحقة. ربما يكون أهم ما تكشفه هذه الأرقام أن الاستثمار في المستقبل يبدأ دائماً برؤية واضحة، لكن نتائجه تظهر عندما تتغير قواعد اللعبة العالمية ويكون هناك من استعد لها مسبقاً.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

المنافسة على سلاسل الإمداد

الاقتصادات الحديثة تجاوزت فكرة المنافسة على إنتاج السلع وحدها لتراهن على موقعها داخل سلاسل الإمداد العالمية؛ لأن حركة التجارة العالمية تجذب معها الاستثمارات، والخدمات، والوظائف، والمعرفة. ومن انعكاسات تلك الفكرة، استثمرت دول عديدة مليارات الدولارات لتصبح مراكز لوجستية عالمية؛ لأن القيمة الاقتصادية تجاوزت مفهوم تصنيع المنتج لتشمل أيضاً نقله وتخزينه وتوزيعه وتمويله وتأمينه. أدركت المملكة مبكراً هذه الحقيقة ففي الوقت الذي كانت فيه التجارة العالمية تتوسع بوتيرة متسارعة، عملت المملكة على تطوير موانئها، وتحديث أنظمتها الجمركية، وإنشاء المناطق اللوجستية الخاصة، وربط الموانئ بشبكات النقل الحديثة. ربما لم تكن نتائج هذه الجهود ظاهرة للعيان في بدايتها، لكن الأحداث العالمية الأخيرة كشفت أهميتها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الأزمات تتحول إلى فرص

منذ جائحة كورونا وما تبعها من اختناقات في سلاسل الإمداد، مروراً بالتوترات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية، وصولاً إلى التحديات التي واجهت بعض الممرات البحرية الدولية، أصبح العالم يبحث عن مراكز أكثر كفاءة واستقراراً وموثوقية. وهنا ظهرت قيمة الاستثمار طويل الأجل، إذ لا يمكن بناء مراكز لوجستية عالمية أثناء الأزمات، بل يجب أن تكون جاهزاً قبل وقوعها. وما يستحق التوقف عنده أن كثيراً من الأزمات التي هدّدت حركة التجارة العالمية تحوّلت بالنسبة للمملكة إلى فرصة لإثبات جاهزية بنيتها التحتية وقدرتها على استيعاب المزيد من التدفقات التجارية. فالأزمات غالباً ما تعيد رسم خرائط التجارة، لكنها في الوقت ذاته تكشف أي الدول كانت تستعد للمستقبل وأيها كانت تكتفي بمراقبة التحوّلات.

نحو منظومة اقتصادية متكاملة

تؤمن المملكة أن الصورة الأكبر تكمن في بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول هذه الحركة التجارية، فكل سفينة ترسو في ميناء سعودي، وكل حاوية تمر عبر الأراضي السعودية، تمثل فرصة لخلق نشاط اقتصادي إضافي في النقل والتخزين والخدمات المالية والتأمين والتقنيات اللوجستية والصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد. فالهدف ليس فقط أن تمر البضائع عبر المملكة، بل أن يُصنع جزء منها فيها، وأن تُدار من خلالها مراكز التوزيع الإقليمية، وأن تستقطب الشركات العالمية استثماراتها وخبراتها إلى السوق السعودية.