الفرق بين 12% و14%: قصة أموال تُغيّر حياة الناس في العراق
حين تتأخر الرواتب، لا تتأخر أرقام على الورق فحسب، بل تتأخر حياة كاملة. فرق بسيط بين 12 بالمئة و14 بالمئة من موازنة العراق يتحوّل إلى ملايين الدنانير تُغيّر حياة المواطن الكوردي: فواتير كهرباء تنتظر الدفع، مرضى بحاجة إلى علاج، وخدمات أساسية تتأثر. هذه ليست مجرد أرقام، بل قصة ضغط سياسي، وعدالة معلّقة، ومستقبل آلاف العائلات التي تعتمد على انتظام الرواتب لتسيير حياتها اليومية.
الخلاف المالي بين بغداد وأربيل: من نزاع تقني إلى صراع على الشراكة
لم يعد الخلاف بين بغداد وأربيل شأنًا ماليًا عابرًا، ولا نزاعًا تقنيًا حول نسب الموازنة أو مواد الدستور. ما يجري اليوم أعمق من ذلك بكثير؛ إنه صراع على معنى الشراكة داخل الدولة العراقية نفسها. حين تتحول الرواتب إلى ورقة ضغط، وتُدار الموازنة بمنطق العقاب لا العدالة، وتُختزل الفيدرالية إلى أداة إخضاع مالي، نكون أمام مشهد واضح المعالم: خنق اقتصادي يطال إقليم كوردستان ويستنزف مجتمعه بصمت.
وفق قانون الموازنة الاتحادية الثلاثية للأعوام 2023-2025، تم تحديد حصة إقليم كوردستان بنسبة 12.67 بالمئة من إجمالي الموازنة العراقية، وهو ما اتفق عليه البرلمان العراقي ضمن البنود النهائية لمشروع الموازنة الثلاثية. لكن ما جرى فعليًا يكشف فجوة صارخة بين النص والتنفيذ. ففي عام 2023 مثلًا، كان يفترض أن يحصل الإقليم على نحو 16.5 تريليون دينار، لكنه تسلم فعليًا قرابة 7 تريليونات دينار فقط. وفي 2024 بلغت حصته القانونية نحو 20.9 تريليون دينار، بينما لم يصل فعليًا سوى نحو 10-11 تريليون دينار. وفي 2025، تكررت الفجوة نفسها تقريبًا، ليبقى الفرق بين المقرر والمسلّم عنوانًا دائمًا للأزمة.
الأرقام المخفية: من الجداول المالية إلى حياة المواطنين
هذه الأرقام ليست مجرد بنود في جداول وزارة المالية، بل هي رواتب مؤجلة، ومشاريع متوقفة، وسوق يعاني الشلل، وثقة عامة تتآكل شهرًا بعد آخر. غير أن جوهر الأزمة اليوم لم يعد فقط في ضعف التنفيذ، بل في أساس النسبة المعتمدة نفسها. هنا تظهر مطالبة مسؤولي الإقليم، خصوصًا رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، بضرورة إعادة احتساب الحصة وفق نتائج التعداد السكاني الرسمي الجديد.
تشير البيانات الرسمية إلى أن سكان إقليم كوردستان يشكلون الآن حوالي 14 بالمئة من إجمالي سكان العراق، مقارنةً بالتقدير الذي اعتمدته بغداد حين تحديد الحصة بـ 12.67 بالمئة. الفرق بين 12.67 بالمئة و14 بالمئة قد يبدو محدودًا للوهلة الأولى، لكنه في موازنة تتجاوز المئات من التريليونات يعني مليارات الدنانير سنويًا. وهذه الأموال ليست رفاهية مالية، بل الفارق بين انتظام الرواتب وتعثرها، وبين سوق يتحرك بثقة وسوق يعيش على حافة الانكماش.
الحرمان المزدوج: من النسبة المخفّضة إلى عدم الالتزام
الأخطر أن الإقليم يُحرم مرتين: مرة عبر احتساب نسبة أقل من واقعه السكاني الفعلي، ومرة أخرى عبر عدم الالتزام الكامل حتى بهذه النسبة المخفّضة. وهكذا تتحول الموازنة من أداة تنظيم مالي إلى أداة ضغط سياسي، ويتحول الخلاف من نزاع قانوني إلى أزمة ثقة بنيوية داخل الدولة. الدولة التي تعتمد معيار السكان في توزيع الموارد، ثم تتجاهل نتائج تعدادها الرسمي حين لا تنسجم مع حساباتها، تضع نفسها أمام سؤال أخلاقي قبل أن يكون دستوريًا.
الفيدرالية ليست شعارًا يُرفع في الخطابات، بل التزامًا عمليًا بعدالة التوزيع واحترامًا للأرقام حين تصدر عن مؤسسات الدولة نفسها. المواطن الكوردي اليوم لا ينظر إلى الجدل الدستوري بقدر ما ينظر إلى راتبه، وإلى استقرار السوق، وإلى مستقبل أطفاله. حين تتأخر الرواتب، لا يتأخر معها رقم في جدول، بل تتأخر حياة كاملة.
الحلول الممكنة: نحو عدالة مالية وشراكة حقيقية
الخروج من هذا المأزق لا يحتاج إلى معجزات سياسية، بل إلى قرارات واضحة تستند إلى الدستور والبيانات الرسمية. يبدأ ذلك بـ:
- الاعتراف الصريح بنسبة السكان الجديدة (~14 بالمئة) واعتمادها في احتساب حصة إقليم كوردستان وفق نتائج التعداد الرسمي.
- الالتزام الكامل بصرف المستحقات دون اجتزاء أو تسويف، وتنفيذ نصوص الموازنة كما أُقرت.
- فصل رواتب المواطنين عن الخلافات السياسية، وضمان عدم استخدامها كورقة ضغط.
- إرساء آلية شفافة ودائمة لتقاسم الموارد والإيرادات تحت إشراف مؤسسات اتحادية مختصة، بما يعزز الثقة ويمنع تكرار الأزمات.
دون ذلك، ستبقى الأزمة مفتوحة، وسيبقى الاقتصاد يتنفس بصعوبة، وستبقى الفيدرالية معلّقة بين نصوص جميلة وواقع قاسٍ. وبحسب مختصين في المجال الاقتصادي، فإن القضية لم تعد مجرد فرق بين 12.7 بالمئة و14 بالمئة، بل مسألة عدالة وشراكة واحترام لإرادة الأرقام الرسمية. إما أن تُدار الدولة بروح الدستور والإنصاف، أو تبقى الموازنة ساحة صراع، ويبقى الاقتصاد رهينة خلاف سياسي لا يد للمواطن فيه ولا قدرة له على احتماله.