في عام 2020، لم يكن تغيير مسمى «البرنامج الوطني لتطوير التجمعات الصناعية» إلى «المركز الوطني للتنمية الصناعية» مجرد تعديل إداري، بل إعلان عن تحوّل في فلسفة السياسة الصناعية السعودية. انتقلت المهمة من دعم مبادرات متفرقة إلى قيادة التنمية الصناعية، مع استقلال مالي وإداري، وارتباط مباشر بمنظومة تحقيق مستهدفات رؤية 2030. بعد مرور ست سنوات، لم يعد السؤال... هل كان القرار صحيحاً؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية.. كيف نقيس نجاحه؟
مؤشرات قياس الأداء الصناعي
في الاقتصادات المتقدمة، لا تُقاس المؤسسات بعدد المبادرات ولا بحجم الإنفاق، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس. كم مصنعاً دخل مرحلة الإنتاج؟ كم بلغت قيمة الاستثمارات الصناعية الجديدة؟ كم ارتفعت الصادرات الصناعية؟ ما نسبة المكوّنات المحلية؟ وما العائد الاقتصادي لكل ريال أُنفق على التمكين؟ الأهم من ذلك، هل توجد مراجعة مستقلة للأداء؟ وهل تُنشر مؤشرات الإنجاز للرأي العام وللصناعيين؟ فالشفافية ليست مجرد ممارسة إدارية، بل أداة لتصحيح المسار وبناء الثقة بين القطاعين العام والخاص.
دروس من الإخفاق
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية.. هل نستمع فقط إلى الشركات التي نجحت، أم نستمع أيضاً إلى من لم ينجح؟ المستثمر الذي ألغى مشروعه، أو نقل استثماره إلى دولة أخرى، أو اصطدم بعوائق تنظيمية، يملك من المعلومات ما قد يفوق أحياناً قصص النجاح نفسها. الاقتصادات الناجحة تعتبر الإخفاق مصدراً للتعلم، لا ملفاً يُغلق.
النموذج الصيني في التخطيط الصناعي
وتقدم الصين مثالاً واضحاً على ذلك. فنجاحها الصناعي لم يكن نتيجة انخفاض الأجور كما يُعتقد غالباً، بل نتيجة مراجعات مستمرة للسياسات الصناعية على مدى أربعة عقود.. بنت الحكومة بنية تحتية ضخمة، وطورت سلاسل إمداد محلية، وشجعت التخصص الجغرافي، وسمحت باندماجات صناعية عزّزت الكفاءة، ثم انتقلت تدريجياً من العمالة منخفضة التكلفة إلى التصنيع المتقدم والروبوتات والذكاء الاصطناعي. كانت الخطة تتغيّر كلما تغيّر العالم.
مراجعة القطاعات الخمسة
وهذا يقود إلى السؤال... هل القطاعات الخمسة التي حُددت قبل ست سنوات ما زالت تمثل الأولويات نفسها، أم أن التحوّلات العالمية تستدعي مراجعة جديدة؟ في صناعة السيارات، تبدو الطموحات كبيرة، لكن النجاح في هذا القطاع لا يقاس بعدد مصانع التجميع، بل بوجود منظومة صناعية متكاملة من الموردين المحليين، ومراكز البحث والتطوير، وسلاسل الإمداد، والقدرة على المنافسة في التكلفة والجودة. الصين لم تصبح أكبر منتج للسيارات بقرار واحد، بل ببناء آلاف المصانع المغذية قبل أن تبني العلامات التجارية. وفي قطاع المعادن، يبرز سؤال القيمة المضافة. هل ما زلنا نصدّر المواد الخام، أم نجحنا في تصنيع منتجات نهائية ذات قيمة أعلى؟ أما في الكيماويات، فهل ارتفع تنوع المنتجات، أم أن النمو لا يزال يعتمد على الصناعات التقليدية؟
نموذج الطاقة وتحلية المياه
في المقابل، تبدو الطاقة وتحلية المياه نموذجاً مختلفاً، حيث تمتلك المملكة مزايا تنافسية واضحة، وخبرة متراكمة، وشركات وطنية أثبتت قدرتها على المنافسة عالمياً. والسؤال هنا لم يعد عن النجاح، بل عن كيفية تعظيمه وتحويله إلى صناعات تصديرية جديدة.
الصناعات الدوائية والتقنية الحيوية
أما الصناعات الدوائية والتقنية الحيوية، فقد استفادت بوضوح من سياسات المحتوى المحلي وأفضلية المنتج الوطني في المشتريات الحكومية، وهي خطوة أثبتت فعاليتها. لكن يبقى السؤال الأهم.. هل امتدت هذه الاستفادة إلى المصانع التي تزوّد القطاع بالمواد الخام والمكوّنات والخدمات الصناعية؟ أم أن سلسلة القيمة ما زالت تعاني فجوات تحد من تعميق الصناعة المحلية؟
قطاعات جديدة للمستقبل
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو.. هل ينبغي الاكتفاء بمراجعة أداء القطاعات الحالية، أم أن الوقت قد حان لإضافة قطاعات جديدة، مثل أشباه الموصلات، والمواد المتقدمة، والتصنيع الرقمي، والروبوتات الصناعية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تشكّل محور المنافسة الصناعية العالمية؟
تكامل الأدوار الحكومية
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن دور وزارة الاستثمار. فما حدود مسؤوليتها في جذب المستثمر الصناعي؟ وأين يبدأ دور المركز الوطني للتنمية الصناعية؟ وهل توجد مؤشرات مشتركة تقيس رحلة المستثمر منذ اتخاذ قرار الاستثمار وحتى تشغيل المصنع؟ فنجاح السياسة الصناعية لا يعتمد على كفاءة كل جهة منفردة، بل على تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية.
الشفافية والأرقام
ويبقى السؤال الأهم... كيف يستطيع الصناعي السعودي والدولي الاطلاع على الأرقام الحقيقية؟ كم مشروعاً نجح؟ وكم مشروعاً تعثر؟ وما أسباب التعثر؟ وما نسبة تحقيق المستهدفات مقارنة بما كان مخططاً له في عام 2020؟ فالأرقام ليست مجرد وسيلة للتقييم، بل هي اللغة التي تبني الثقة، وتجذب المستثمر، وتساعد صانع القرار على تصحيح المسار.
خلاصة: الإنجاز في المراجعة
بعد ست سنوات، قد يكون الإنجاز الحقيقي ليس في الدفاع عن السياسات، ولا في انتقادها، بل في إخضاعها لمراجعة مهنية مستقلة، تقيس النتائج، وتقارنها بالتجارب الدولية، وتعيد رسم الأولويات إذا استدعت الظروف ذلك. فالدول الصناعية الكبرى لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها تمسكت بخططها، بل لأنها امتلكت الشجاعة لتعديلها عندما تغيّر العالم.



