فصل في الصحافة حين.. كانت! عثمان العمير وإيلاف في لندن
فصل في الصحافة حين كانت! عثمان العمير وإيلاف

يا لها من أيام عِذاب حين تستذكر صفحات عبرت بها تاريخ الصحافة وكتاب العمر. جفت المحابر، وتداعت الأقلام، وبقيت الذكريات نُصُباً شواهق، تذكرك بأعذب ما في العمر من ذكريات. كم كنت صبيّاً محظوظاً وأنت تنظر إلى خيط حياتك. تهانينا، لقد اجتمعت في حياتك أروع المُنى: لندن كمدينة، والصحافة كحياة. وما بين المدينة والمهنة تشكّلت الملامح الأولى لحكاية امتدت سنوات طويلة، واختلط فيها وهج الحلم بصلابة التجربة، حتى غدت الأيام نفسها مادة للحنين ومورداً لا ينضب للتأمل.

لقاء بعد غياب

وها أنا ألتقي عثمان العمير بعد غيابٍ ليس بطويل. عام أو ما يقرّبه. وهنا في لندن حيث اجتمعنا لأول مرة وقدحت الشرارة حتى نثرت ضوءها وحرائقها في العالم. تنبّهت، ويا له من عمر طائر، أننا جاوزنا العقدين من العمر عدداً، في صداقة تجاوزت حاجز العمر، ومضت فتحوّلت إلى خبطات وصفحات وكلمات. سنوات مضت كأنها ومضة برق في ليل بعيد، لكنها تركت آثارها واضحة في الذاكرة، محفورة في الوجدان، لا تمحوها الأيام ولا تبدّدها المسافات.

إيلاف: مشروع تجاوز التوقعات

ننظر إلى الحزم والسهل فنرى أن كثيراً من الكلمات تيبّست ولا تزال القلوع صامدة. مضى على ذلك المشروع الإعلامي المتميّز ربع قرن، وكثيرون توقعوا ألا يتمكن من المضي أكثر من مسافة شهور أو سنين معدودة. غير أن بعض المشاريع تملك من العناد ما يجعلها تعبر الرياح المعاكسة، وتستمر لأنها ولدت من إيمان عميق بفكرة سبقت زمنها، ورأت ما لم يره الآخرون.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

لقد بدت إيلاف حينها طلقة ضوئية خارج ثقب الزمن في وقت كانت «النقاط العمياء» تمنع مؤسسات بأكملها من رؤية التحوّل الجديد وهو عالم الإلكترون والنقرات السريعة. وبالفعل كانت إيلاف منصة إعلامية متجددة جمعت الكثير من مبدعي العالم العربي وفتحت لهم النوافذ والأبواب. وكانت أيضاً مختبراً للأفكار الجديدة، وساحة رحبة للتجريب، ومنبراً وجد فيه كثير من الكتّاب والمثقفين فضاءً مختلفاً يتجاوز الحدود التقليدية للإعلام.

إيلاف ديجيتال وريتشموند

إيلاف ديجيتال كانت مجلة أطلقت وكُلّفت من ناشر إيلاف بتوليها مع الأستاذ الكبير بكر عويضة، وكانت قدحة شهاب إعلامية قبل أن يطلق ميردوخ مجلة ذا داي، وعزاؤنا أن ميردوخ أغلق مجلة ذا داي قبل أن نغلق إيلاف ديجيتال بسنين. في ذلك المكتب الدافئ في الضاحية اللندنية الحسناء، ريتشموند، كنا نجرب الأفكار الجديدة، ونحاول أن نكتشف هذا العالم الجديد الساحر المسحور، وكان ناشر إيلاف الأستاذ عثمان العمير يسأل ويتابع ويستفسر من كل أصقاع الأرض. وكانت النقاشات لا تنتهي، والأسئلة تتوالد من الأسئلة، وكأننا نقف على شاطئ قارة جديدة نحاول رسم خرائطها الأولى.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

لندن: سر إيلاف

كانت لندن هي سر إيلاف، وإيلاف هي سر لندن، فقد كانت العاصمة التي جمعت مبدعي العالم العربي، ولا ينفك زوّارها عن الحضور، وكنا نلتقي بكل من نريد وقتما نريد. لقد كنت محظوظاً أنني قد تعلمت اللغة على يد الصحف اللندنية العظمى، وكانت ديلي ميل إفطارنا اليومي، وكتب جون سيمبسون الصوتية رفيقة جولات المشي. وكانت المدينة نفسها مدرسة مفتوحة، تعلمنا فيها كيف تُصنع الأخبار، وكيف تتحوّل الفكرة الصغيرة إلى مشروع كبير، وكيف يصبح الشغف وقوداً للمستقبل.

تأملات في مستقبل الصحافة

وأنا أحتفل بهذا المشروع الذي سعدت بكوني جزءاً منه، أتساءل كيف سيكون شكل مستقبل المهنة والعالم في ظل سطوة وسائل التواصل، وتداخل الاختصاصات، وتسارع التحوّلات التي تكاد تسبق قدرة الإنسان على التأمل فيها. وهذا المنظر المنظور يجعل الناظر ينظر نظرة إلى النجوم..! فكل جيل يظن أنه بلغ نهاية الطريق، ثم يكتشف أن طريقاً جديداً قد بدأ لتوه، وأن الصحافة، مثل الحياة، لا عن إعادة اختراع نفسها.