عاملان جديدان في الحروب: الطائرات المسيرة والفضاء السيبراني يغيران مفهوم الصراع الحديث
برز عاملان جديدان كعنصرين أساسيين في الحروب من شأنهما تغيير مفهوم الحرب الحديثة بشكل جذري. الأول واضح في الفضاء الطبيعي وهو الطائرات المسيرة التي باتت متاحة لجميع القوى، بغض النظر عن مستوى تطورها التكنولوجي؛ أما الثاني فهو في الفضاء السيبراني، حيث يصعب رصد عملياته أو فهم كيفية تنفيذها، نظراً للسرية الشديدة المحيطة به.
السرية والعمليات السيبرانية: عامل غير مرئي في الحروب
يقول الخبراء إن الدول لا تفصح عن قدراتها أو عملياتها السيبرانية لأن ذلك يعرضها لخطر الكشف عن معلومات أو ثغرات أو تقنيات يمكن للخصوم تعطيلها دون معرفة هوية المسؤول على وجه اليقين. ومع ذلك، بات جلياً الدور المتنامي للتكنولوجيا السيبرانية في الحروب، لا سيما في تحديد الأهداف البشرية والمواقع الحيوية من خلال التجسس السيبراني والاختراق الإلكتروني.
على سبيل المثال، كشف رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، في يونيو الماضي، أن القيادة السيبرانية الأمريكية "دعمت" ضربات استهدفت ثلاث منشآت نووية إيرانية، بما في ذلك أسلحة سيبرانية عطلت أنظمة الدفاع الصاروخي الإيرانية. كما أقر الجنرال كين بأن قيادة الفضاء السيبراني نفذت "عمليات متنوعة" لدعم العملية في فنزويلا، دون تحديد طبيعة تلك العمليات.
التطورات الجديدة في الاعتراف بالعمليات السيبرانية
ليست العمليات السيبرانية الهجومية جديدة تماماً، بل بدأت منذ العقد الأول من الألفية الثانية، لكنها لم تكن معلنة. بينما الاعتراف العلني بتلك العمليات السيبرانية الهجومية، فضلاً عن التباهي بها، يُعد "بالتأكيد تطوراً جديداً"، وفقاً للورين ويليامز، نائب مدير برنامج التقنيات الاستراتيجية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن.
تقول ويليامز: "إن الجمع بين هذا النهج التصريحي في الرسائل العامة الذي يتبعه كبار المسؤولين، وما رأيناه في الاستراتيجية السيبرانية الوطنية، يُمثل تحولاً جذرياً من إدارة ترامب التي ركزت على العمليات السيبرانية الهجومية".
الفضاء السيبراني: جزء لا يتجزأ من الصراع الحديث
أظهرت الأحداث الأخيرة أن العمليات السيبرانية تلعب دوراً مهماً في هذه الحرب. كما ألمح قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر مؤخراً خلال مؤتمر صحفي، قائلاً: "نواصل تنفيذ ضربات داخل إيران تمتد من قاع البحر إلى الفضاء الخارجي والفضاء السيبراني".
إذا كان هذا هو الحال في زمن الحرب، فإنه يُستخدم أيضاً في بعض الدول في زمن السلم لمهاجمة المواقع المدنية الحساسة والبنية التحتية والمواقع العسكرية. وفقاً لسكوت وايت، مدير برنامج الأمن السيبراني بجامعة جورج واشنطن، فإن الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران تمتلك قوة هائلة في مجال القرصنة والاختراق السيبراني.
أمثلة عملية وتأثيرات على الخط الفاصل بين الحرب والسلم
تعطي الأحداث الأخيرة لمحةً موجزةً عن طبيعة الوضع، مثل إعلان شركة سترايكر للأجهزة الطبية عن تعرضها لهجوم إلكتروني، حيث أفادت التقارير أن مجموعة حنظلة المرتبطة بإيران قد تبنت مسؤولية الهجوم. لكن أين يكمن الحد الفاصل بين استخدام الهجوم السيبراني في زمن الحرب وزمن السلم؟
يخلص تقرير "فورين بوليسي" إلى أن تزايد استخدام الولايات المتحدة للهجمات الإلكترونية إلى جانب الهجمات التقليدية قد طمس الخط الفاصل بينهما، ويواصل إعادة تعريف مفهوم الحرب الحديثة. يقول ألكسندر ليزلي، كبير المستشارين في شركة "ريكوردد فيوتشر" للأمن السيبراني: "تؤكد هذه الحرب فكرة أن الفضاء الإلكتروني جزء لا يتجزأ من الصراع الحديث، وليس مجرد عنصر ثانوي".



