الأميرة نورة بنت سعود تكشف رؤية «المشتل الإبداعي» لصناعة الموهوبين
الأميرة نورة تكشف رؤية المشتل الإبداعي لصناعة الموهوبين

منذ تأسيس «حاضنة المشتل الإبداعي» في العاصمة الرياض عام 2019، وضعت صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة بنت سعود بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود هدفاً واضحاً يتمثل في بناء بيئة متكاملة تحتضن المبدعين ورواد الأعمال في القطاعات الثقافية والإبداعية، وتوفر لهم المساحات والمعرفة والشبكات المهنية التي تساعدهم على تحويل أفكارهم إلى مشاريع مستدامة ذات أثر ثقافي واقتصادي.

وفي حوار خاص مع «سبق»، تتحدث سموها عن رحلة المشتل، وأبرز التحديات التي تواجه القطاع الثقافي والإبداعي، ودور الحاضنات في ردم الفجوة بين الفكرة والسوق، كما تستعرض رؤيتها لبناء منظومة مستدامة تصنع الموهوبين وتدعم الاقتصاد الإبداعي، مؤكدة أن مستقبل القطاع لا يقوم على الفعاليات العابرة، بل على بناء القدرات، وتعزيز الشراكات، وتوفير مسارات طويلة الأمد للمبدعين.

رؤية المشتل الإبداعي

انطلق المشتل من فجوة حقيقية رأتها الأميرة في المنظومة الثقافية والإبداعية. وأوضحت أن هناك الكثير من المواهب والطاقة والأفكار، لكن لم تكن هناك دائماً مساحة مستمرة تجمع هؤلاء المبدعين، وتتيح لهم التعارف، وتبادل الخبرات، والتعاون، وتطوير المهارات المهنية التي يحتاجونها حتى تتحول مواهبهم إلى ممارسات مستدامة. وأكدت أن الفكرة لم تكن فقط إنشاء مكان، بل بناء بيئة تساعد المبدع على أن يرى نفسه كجزء من منظومة أكبر.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الفجوات في الوسط الثقافي

أشارت الأميرة إلى أن من أبرز الفجوات اليوم هي المنطقة الوسطى بين الفكرة والمنتج أو المشروع القابل للنمو. لدينا أفكار كثيرة ومواهب كبيرة، ولدينا أيضاً اهتمام متزايد من الجهات والمؤسسات، لكن المسار الذي يساعد المبدع على الانتقال من الفكرة إلى الإنتاج، ثم إلى السوق، لا يزال يحتاج إلى مزيد من التنظيم والدعم. وأضافت أننا نحتاج إلى مساحات إنتاج وتجريب، وإلى إرشاد مهني وتجاري، وإلى قنوات واضحة للوصول إلى الجمهور والعملاء، وإلى فهم أعمق لكيفية بناء نماذج عمل تناسب طبيعة القطاع الإبداعي.

دور الحاضنات الثقافية

رأت الأميرة أن الحاضنات والمنصات الإبداعية تستطيع أن تلعب دوراً مهماً إذا لم تكتفِ بالبرامج القصيرة أو الفعاليات، بل عملت على بناء القدرات بشكل مستمر. دورها هو أن تساعد المبدع على تطوير مهاراته الفنية والمهنية في الوقت نفسه. كثير من المبدعين يملكون الرؤية والموهبة، لكنهم يحتاجون إلى أدوات في التسعير، والتواصل، وبناء النموذج التجاري، وإدارة المشروع، وفهم الجمهور والسوق. كما أن هذه المنصات توفر مساحة آمنة للتجريب.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

طموح المشتل ليكون مرجعاً

أكدت الأميرة أن المشتل يطمح ليكون منصة مؤثرة ومرجعاً في القطاع، لكن الأهم هو أن يكون سبباً في إشعال مبادرات أخرى. وأعربت عن أملها في أن يرى الآخرون أن بإمكانهم أيضاً أن يبادروا، وأن يبنوا، وأن يأخذوا ملكية تجاه هذا القطاع. وقالت: «إذا استطاع المشتل أن يخلق أثراً يتجاوز حدوده، وأن يلهم جهات وأفراداً آخرين لبناء مساحات وبرامج ومشاريع تخدم المبدعين، فهذا بالنسبة لي نجاح حقيقي».

التوازن بين الشباب والتراث

أوضحت الأميرة أن المهم ليس فرض تعريف واحد للثقافة، بل توفير وصول إلى مصادر دقيقة وموثوقة عن التاريخ والتراث، ثم منح المبدعين الشباب المساحة ليبنوا منها بلغتهم وأصواتهم الخاصة. وأكدت أن التراث لا يعيش فقط عندما نحافظ عليه كما هو، بل عندما نفهمه بصدق ونعيد التواصل معه بوعي. الأجيال الجديدة قادرة على تقديم التراث بطرق معاصرة إذا توفر لها المحتوى الصحيح والمعرفة الصحيحة والاحترام الكافي للمصدر.

التحديات في النمو والتوسع

أكبر تحدٍ بالنسبة للمشتل هو الاستمرار في الاستماع للاحتياج الحقيقي، وليس النمو فقط من أجل النمو. وأشارت الأميرة إلى أنه في القطاع الإبداعي من السهل أن ننشغل بالضجيج، وبالمواسم، وبالظهور، وبسرعة التغير في التقنيات والمنصات، لكن المهم هو البقاء قريبين من المبدعين واحتياجاتهم الفعلية. وأكدت أهمية النمو الثابت والمسؤول، والتكيف دون فقدان الجوهر، معتبرة أن التقنية أداة مهمة لكنها لا تستبدل الإنسان ولا الحس الثقافي.

استدامة أثر البرامج

تسعى الحاضنة إلى ضمان أن لا يكون المشتل مجرد محطة مؤقتة يمر بها المشارك ثم تنتهي العلاقة، بل يبقى مساحة مفتوحة لكل من شارك معنا، يعود إليها ليختبر فكرة جديدة، أو يطور مشروعاً قديماً، أو يصل إلى جمهور جديد. مثال على ذلك بودكاست «عقل غير هادئ» الذي عُرض في المشتل قبل سنوات، ثم تطور وحقق نجاحات وجوائز، وعاد صاحبه مؤخراً ليعرض فيلمه الجديد.

قياس الأثر في القطاع الثقافي

أكدت الأميرة أن قياس الأثر في القطاع الثقافي لا يمكن أن يقتصر على الأرقام فقط، رغم أهميتها. هناك أثر نوعي يتمثل في كيف يشعر المبدع تجاه نفسه، وهل أصبح أكثر ثقة، وهل فهم جمهوره بشكل أفضل، وهل ساهم المشروع في تحسين علاقة الناس بمدينتهم وثقافتهم وجودة حياتهم. لذلك تحاول الحاضنة الجمع بين المؤشرات الكمية والنوعية، والاعتماد على التوثيق والاستماع وجمع البيانات بطرق مهنية وأخلاقية.

استقطاب المواهب النوعية

تتمثل استراتيجية الحاضنة في الانفتاح، بحيث يشعر كل مبدع جاد أن هناك مساحة له في المشتل. كما تحاول الذهاب إلى الأماكن التي يتواجدون فيها، والتعرف على مجتمعات مختلفة، والسماع من الميدان مباشرة. فالمواهب النوعية تنجذب للبيئة التي تحترمها وتفهم احتياجاتها، وإذا شعر المبدع أن هناك مكاناً يسمعه ويتعامل معه بجدية ويفتح له فرصاً حقيقية، فإنه سيبقى جزءاً من هذه المنظومة.

تحويل الأفكار إلى نماذج اقتصادية

أوضحت الأميرة أن ليس كل مبدع يريد أن يصبح رائد أعمال، لكن كل مبدع يحتاج إلى فهم الجانب الاقتصادي من عمله ليستطيع الاستمرار والنمو. تساعد الحاضنة المبدعين على التفكير في نماذج عمل تناسبهم، وليس قوالب جاهزة، سواء كان مصدر الدخل من منتج، أو خدمة، أو ترخيص، أو تعاون، أو محتوى، أو تدريب، أو تجربة. المهم أن يفهم المبدع كيف تتحول فكرته إلى قيمة حقيقية، وكيف يسعر عمله، وكيف يصل إلى جمهوره.

أهمية الشراكات طويلة الأمد

الشراكات أساسية في القطاع الثقافي والإبداعي، الذي يتقاطع مع كل القطاعات تقريباً: السياحة، التعليم، التقنية، التجزئة، العقار، الإعلام، جودة الحياة. كلما زاد التخصص داخل القطاع، زادت الحاجة إلى التعاون. الشراكات طويلة الأمد تعطي القدرة على بناء برامج أعمق، وفرص أكثر استمرارية، ومسارات أوضح للمبدعين، وتساعد على نقل الإبداع من كونه نشاطاً محدوداً إلى كونه جزءاً من الاقتصاد ومن حياة الناس اليومية.

التركيز على المحتوى الثقافي وليس الفعاليات فقط

الفعاليات مهمة لكنها لا تكفي وحدها. التحدي الحقيقي هو بناء ما يستمر بعد انتهاء الفعالية: مساحات، وأسواق، وبرامج، ومجتمعات، وقنوات إنتاج مستمرة. في المشتل، يميزون بين الفعالية كحدث مؤقت والمنصة كمسار طويل. مثال على ذلك «سوق السبت» الذي أطلق بدعم من صندوق التنمية الثقافي ومصرف الراجحي، وهو سوق مستمر على مدار العام يتيح للمبدعين فرصة منتظمة للعرض والتجربة ولقاء الجمهور.

تعزيز الحضور الإعلامي

تسعى الحاضنة إلى أن يكون الحضور الإعلامي جزءاً من بناء سردية مستمرة حول المبدعين وقصصهم وتحدياتهم وما ينتجونه من أثر، وليس فقط مرتبطاً بالإعلان عن فعالية أو مناسبة. تركز الخطة على التوثيق وإبراز قصص حقيقية من داخل المنظومة: مبدع طور منتجه، مشروع وجد جمهوره، تعاون بدأ من لقاء بسيط، أو فكرة تحولت إلى تجربة قابلة للنمو.

إزالة عائق واحد

لو أتيحت فرصة إزالة عائق واحد، فسيكون توفير موارد ومساحات أطول مدى للمبدعين، بحيث لا يكون الدعم مرتبطاً دائماً بمبادرة قصيرة أو فرصة مؤقتة. كثير من المشاريع الإبداعية تحتاج إلى وقت ومساحة وتجريب متكرر قبل أن تصل إلى نضجها الحقيقي. تجاوز هذا العائق سينقل الدعم من مرحلة التحفيز إلى مرحلة البناء الحقيقي، فالقطاع لا يحتاج فقط إلى لحظات إلهام، بل إلى بنية تساعد الأفكار الجيدة على النمو والاستمرار والوصول إلى الناس.