اللجوء إلى خندق السطور: رحلة الوسائل الإعلامية في تشكيل الوعي البشري
في عالم يتسارع فيه تدفق المعلومات، تبرز أهمية الوسائل الإعلامية كقوة محركة للتفكير والسلوك. قال مارشال ماكلوهان، أستاذ علم الاتصال الجماهيري الكندي، إن الوسيلة الإعلامية أهم من الرسالة التي تبثها أو تكتبها، حيث تنبأ مبكراً بسيطرتها غير المسبوقة على مسارات التفكير الفردي والجماعي.
من المطبعة إلى الراديو: ثورات غيرت وجه التاريخ
قبل اختراع المطبعة، كانت الجموع شبه بكماء أو عمياء، لكن في عام 1440، غيّر الألماني يوهان غوتنبرغ المشهد باختراع المطبعة. انتشرت طباعة الكتب في غمرة انتشار الفلسفة، بعد تراجع هيمنة الكنيسة على التفكير في العالم المسيحي. انطلق التعليم المدرسي والجامعي، ونشطت حركة الترجمة في أوروبا، مما فتح حقبة عقل جديد. عندما ثار مارتن لوثر على سطوة الكنيسة الكاثوليكية، استغل المطبعة للوصول إلى الفقراء المسيحيين، محطماً احتكار المعرفة.
في المقابل، في العصر العثماني، حُرمت المطبعة واعتبرت مؤامرة صليبية، مما أدى إلى تأخر العالم الإسلامي بينما كانت أوروبا تقفز نحو التقدم. فقط في عام 1727، سمح السلطان العثماني لليهود والمسيحيين باستخدام المطبعة، بينما استمر التخلف يترسخ.
الراديو: الصوت الذي هز العالم العربي
بعد المطبعة، جاء اختراع الراديو كوسيلة أسطورية حملت الصوت إلى كل القارات. في البلاد العربية، حيث كانت الأمية متفشية، انشدت الجماهير إلى هذا الصندوق السحري الناطق، وصار أداة تواصل ثقافية وسياسية فاعلة. استعمله المثقفون والسياسيون ورجال الدين كوسيلة للسيطرة والتأثير.
في هذا السياق، برز الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي اعتلى سدة الحكم في خمسينات القرن الماضي، واتخذ من الراديو صوتاً عابراً للحدود. لو أن عبد الناصر حكم قبل انتشار الراديو، لكان تأثيره محدوداً، لكن هذه الوسيلة منحته سلطة سياسية ومعنوية واسعة بين عامة العرب الذين يعيشون على الاستماع.
العصر الحديث: طوفان المشاهد والصراعات
اليوم، نعيش في خضم فضاءات إعلامية نراها ونسمعها عبر القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي. تنقل لنا هذه الوسائل مشاهد الصراع العنيف من أبعد البقاع، مما يجعلنا شركاء بالمشاعر والانفعالات مع كل ما يحدث في العالم.
في ظل الحرب التي تشنها إسرائيل وأميركا على إيران، تعج القنوات الفضائية بالمراسلين والمعلقين الذين يزفون مشاهد القتلى والدمار. الخلاص من هذا الطوفان الدموي، كما تشير المقالة، هو اللجوء إلى السطور قراءة وكتابة، فهما خندق الضمير وصوت من لا سوط متفجر له.
تأملات في تأثير الوسائل عبر الزمن
- المطبعة كانت ثورة علمية بنت جسر الحرية والتقدم في أوروبا.
- الراديو صار سلاحاً فاعلاً في التأثير على العوام، خاصة في المجتمعات الأمية.
- وسائل الإعلام الحديثة تخلق واقعاً مشتركاً، لكنها تفرض تحديات في تمييز الحقائق.
في النهاية، تبقى الوسائل الإعلامية قوة جبارة تشكل وعينا، وتذكرنا بأن القراءة والكتابة هما الملاذ الآمن في عالم مليء بالضوضاء.



