من بودكاست بن شلاح إلى ثمانية: دروس في الإعلام والاستحواذ
من بودكاست بن شلاح إلى ثمانية: دروس إعلامية

يمكنني القول إن أنجح برنامج بودكاست سعودي وسابق لعصره هو برنامج "من البادية"، الذي يعد أحد أشهر البرامج التراثية في تاريخ التلفزيون السعودي، وارتبط باسم الشاعر الراحل محمد بن شلاح المطيري، الذي قام بإعداده وتقديمه لعقود طويلة. البرنامج حقق جماهيرية واسعة، واستطاع الغوص في أعماق الثقافة الشعبية السعودية، في وقت كان السعوديون بحاجة لاكتشاف بعضهم البعض في دولة ناشئة مترامية الأطراف متنوعة الثقافات.

عندما توقف البرنامج

عندما توقف برنامج "من البادية"، لم يتوقف التلفزيون، ولم ينهار الإعلام السعودي، ولم يخرج "لوبي البادية" الذين يشربون من نفس المشرب للدفاع عن بن شلاح كما يحدث اليوم. فقد كان رغم أهميته وتأثيره الممتد حتى اليوم، برنامجاً ملحقاً بالتلفزيون، وجزءاً صغيراً من باقة ضخمة.

تكرار السيناريو مع ثمانية

يكاد الأمر يتكرر مع بودكاست ثمانية، فهو في نهاية الأمر لا يختلف عن برنامج بن شلاح، حتى وإن تم تطويره أو تعديل مساره بما يناسب العصر الحالي. لكنه سيبقى جزءاً صغيراً ملحقاً بشركة عملاقة تأسست قبل أكثر من أربعة عقود، قادت الإعلام العربي وأحدثت فيه تأثيراً عميقاً، بدءاً من صحيفة عرب نيوز، والشرق الأوسط، ومجلة المجلة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دروس من الاستحواذ العالمي

تجارب الاستحواذ العالمية عديدة، ولعل مقاربة ما حصل بين شركتي بوينغ وماكدونل دوغلاس عام 1997 يشرح التشابه في الفكرة والخلاف في النتائج. هناك مقولة شهيرة بعد الاندماج لخصت الأمر: "إن ماكدونل دوغلاس استحوذت على بوينغ بأموال بوينغ". فقد كانت بوينغ الشركة الأكبر والأضخم، وهي التي اشترت ماكدونل دوغلاس، لكن ما حدث خلف الكواليس غيّر موازين الإدارة تماماً. فقد تسلل مدراء شركة ماكدونل دوغلاس الأصغر حجماً إلى المناصب القيادية العليا في بوينغ، ليحققوا السيطرة الإدارية الكاملة ويمرروا أفكارهم ومشاريعهم، التي غيرت مسار الطيران حتى اليوم.

ثقافتان متعارضتان

لقد كانت بوينغ قبل هذا الاندماج أكثر مهنية وتدار بفلسفة "ثقافة المهندسين"، حيث كان الأهم هو الابتكار وسلامة التصميم وجودة الطائرة، بينما كانت دوغلاس تدار من خلال "ثقافة الماليين" التي تركز على خفض التكلفة، والبحث عن رضا حملة الأسهم، وتحقيق الأرباح السريعة. لقد اصطدمت ثقافة ثمانية قليلة الخبرة بثقافة المؤسسة الراسخة عالية المهنية، ولم تستطع أن تزحزحها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

دروس للشركات الناشئة

ما حصل مع ثمانية حصل مع شركات شقردي، ونعناع، وشركة بدون اسم، وهي كلها شركات ناشئة وشبابية، استعجلت الوصول واستسهلت الطموح التجاري، وظنت أن تجارب السوق الأمريكية يمكن تكرارها في سوق تقليدي تعود ثقافته التجارية إلى آلاف السنين، معتمداً على القرار الحكيم والمدروس، والقدرة على إدارة الأموال قبل قطف الثمار المعلقة في الأشجار. من كان يعتقد أن برنامج بودكاست مكون من مايكروفون وكرسي وثير ومقدم لطيف قادر على صناعة إعلام مترامي الأطراف فهو مخطئ جداً، ولا يفهم معنى الصحافة في أدواتها ومخرجاتها.

الصحافة تراكم مهني

الصحافة تراكم مهني متعدد الطبقات والمسؤوليات، ومن لم يبدأ من أول السلم، ومن لم يعمل في المطبخ الصحفي على مدى سنوات، لن يستطع فهم أن الصحافة توازن بين الكلفة والمنتج والعائد، وأن الأفكار ملقاة في الطرقات كما قال سيبويه ذات يوم، وأن الفرحة ليست بالفكرة، بل بالقدرة على استدامة تنفيذها، وأن المغامرات جيدة على الورق لكنها صعبة جداً على الواقع. النجاح في مشروع حلقة صغيرة لا يعني أبداً النجاح في مغامرات إعلامية كبرى، فالتوازن بين المنتج والتكلفة وتحقيق الأرباح هو ما جعل عدداً كبيراً من المؤسسات الصحفية التقليدية تنجح في العقود الثمانية الماضية، وتصمد حتى اليوم بالرغم من السنوات العجاف التي أصابتها.