سليمان إبراهيم العسكري.. رمز كويتي للعطاء المعرفي المستدام
في تاريخ الكويت الثقافي والفكري، ثمة أسماء كبيرة رضعت العلم والمعرفة منذ سنواتها المبكرة، ثم تلألأت نجومًا في سماوات البلاد، وكانت رموزًا للعطاء المتواصل عبر المقال والكتاب والنشر والعمل الأكاديمي والمناصب الإدارية والنشاط الثقافي المؤسسي. ومن بين هؤلاء، تبرز قامة الأستاذ الدكتور سليمان إبراهيم العسكري، الذي سنوثق في هذه المادة سيرته وجهوده لخير وطنه وأمته العربية.
قال عنه زميله الدكتور خليفة الوقيان إنه "رجل مسكون بالثقافة ومهتم بكل ما له علاقة بالمعرفة، ومن القلائل المخلصين لمبدأ أن الثقافة قوة ناعمة يجب أن تستثمر في الارتقاء بالوطن والتعريف به". وكتبت صحيفة "الأنباء" الكويتية (31/5/2010) أنه مهندس الثقافة، وذكرت هواياته وأفكاره وأحلامه: المساحة الكبرى في قلبه يحتلها وطنه وعائلته، يفتخر بأحلامه التي حققها وجلها في الثقافة، يعشق السمك ويهوى السباحة والمشي والتنس، ولذته الكبيرة في التصوير الفوتوغرافي، ويتوجس من الديوانية التي يخاف تحولها إلى مرض كويتي مزمن.
يتجلى شغف العسكري بالثقافة في سلسلة المقالات الشهرية التي كتبها في مجلة "العربي" الكويتية، ومنها: "الثقافة الغائبة"، "المستجدات والتحديات في الثقافة العربية"، "التعليم في البدء كان وسيبقى"، "الجزيرة والخليج العربي.. نصف قرن من النهضة الثقافية"، "لغتنا وتحديات الثقافة المعاصرة"، "عصر ثقافة الصورة". وفي هذه المقالات، عبر عن هموم المثقف العربي بقوله: "إن ما يشغل بال المثقف العربي المهموم بأمته ليس الجوائز والمنح، بل حماية فكره وإبداعه من العزل والمنع والمصادرة والملاحقة".
وُلد سليمان بن إبراهيم العسكري في سنة 1940 بمنطقة القبلة من العاصمة لأسرة انتقلت إلى الكويت من نجد في القرن التاسع عشر. ونشأ في مرحلة انتقال الكويت من اقتصاد الغوص على اللؤلؤ إلى اقتصاد النفط. بدأ تعليمه بمدرسة الروضة، ثم المدرسة الأحمدية، ثم المعهد الديني حيث أكمل الثانوية. تخرج بتفوق وحصل على بعثة دراسية إلى مصر في عام 1957، فالتحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وحصل على ليسانس التاريخ، ثم الماجستير في تاريخ الخليج والجزيرة العربية عام 1964.
عاد إلى الكويت في 1965، وتولى رئاسة مكتب مقاطعة إسرائيل حتى استقال في 1968. ثم التحق بجامعة الكويت معيدًا بقسم التاريخ، وحصل على بعثة إلى بريطانيا لنيل الدكتوراه من جامعة مانشستر عام 1984 عن أطروحة حول تاريخ عمان. عمل مدرسًا لتاريخ الخليج والحضارة العربية بالجامعة من 1984 إلى 1994.
شكلت سنة 1994 منعطفًا هامًا، حيث أقنعه الأستاذ عبدالعزيز حسين بالعمل في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فتولى إدارة الشؤون الإدارية والمالية والمكتبات العامة، ثم صار أمينًا عامًا مساعدًا فأمينًا عامًا حتى 1998. وخلال رئاسته، كان وراء إصدار سلسلة "عالم المعرفة" وسلسلة "من المسرح العالمي"، ونقل المؤسسات الثقافية من وزارة الإعلام إلى المجلس، وتنفيذ مشروع الأسابيع الثقافية الكويتية في الخارج، وتأسيس مهرجان القرين الثقافي.
في 31 مايو 1999، اختير لتولي رئاسة تحرير مجلة "العربي" الشهرية، خلفًا للدكتور محمد غانم الرميحي، وظل في المنصب حتى 2012. نجح في الإبقاء على المجلة متوهجة ومتألقة، وأطلق "العربي العلمي" و"العربي الصغير". بعد ذلك، شغل من عام 2015 منصب مدير المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج العربية.
في فترة الغزو العراقي، استقر مع أسرته في القاهرة، وأكمل بعض مشاريع المجلس الوطني، وأسس المركز الإعلامي الكويتي في أكتوبر 1990، وأصدر نشرة "صوت الكويت". من مؤلفاته: "التجارة والملاحة في الخليج العربي"، "كشف الغمة في تاريخ عمان"، "حلم التنوير العربي.. عبدالعزيز حسين"، و"الكويت والتنمية الثقافية". حصل على العديد من التكريمات، منها عضوية مجمع اللغة العربية بدمشق (2001)، جائزة الدولة التقديرية (2009)، وتكريم من الرئيس المصري حسني مبارك (2003).



