من فيروز ووديع الصافي إلى جوليا: حكاية الجنوب في الأغنية اللبنانية
على وقع الحروب المتكررة والتحولات السياسية العميقة، شكل الجنوب اللبناني مساحة دائمة ومؤثرة في الذاكرة الغنائية اللبنانية والعربية. من وديع الصافي إلى فيروز ونصري شمس الدين، مروراً بجوليا بطرس وأحمد قعبور ومارسيل خليفة، تحولت الأغنية إلى سجل حي يوثق اللحظات التاريخية والانفعالات الإنسانية.
مع كل وقف لإطلاق النار في الحروب التي شهدها لبنان مع إسرائيل، يتكرر مشهد عودة اللبنانيين من الجنوب إلى قراهم وبيوتهم، رغم التدمير الذي يلحق بالجسور والبنى التحتية. هذا المشهد الملحمي ألهم، على مدى العقود الماضية، عشرات القصائد والأغاني التي قدمها مغنون لبنانيون بارزون، ولاقت انتشاراً واسعاً في العالم العربي.
الأعمال الغنائية كسجل تاريخي
وثقت هذه الأعمال الغنائية، بشكل غير مباشر وضمن تسلسل زمني دقيق، تاريخ المنطقة وتحولات الحياة فيها منذ أواخر ستينيات القرن الماضي. تنوعت هذه الأغاني بين أعمال شعبية تعبر عن التعلق بالأرض، وأخرى ذات مضمون سياسي ملتزم، تعكس مواقف الفنانين من القضايا المطروحة.
يستعرض هذا التقرير أبرز تلك الأعمال وأكثرها تداولاً، وقد كتبها ولحنها وأداها فنانون من مختلف المناطق اللبنانية، نظراً لمكانة الجنوب في الوجدان اللبناني عامةً.
وديع الصافي: "الله معك يا بيت صامد بالجنوب"
قدم وديع الصافي، أحد أبرز المطربين اللبنانيين، أغنية "الله معك يا بيت صامد بالجنوب" عام 1967، وهي من ألحانه، وكتب كلماتها أسعد سابا. تعتبر هذه الأغنية من أوائل الأعمال الغنائية التي تناولت الجنوب اللبناني بشكل مباشر، وتغنت بفكرة الصمود والتعلق بالأرض.
بثت الأغنية على شاشة تلفزيون لبنان الحكومي عام 1967، وهو العام الذي شهد اندلاع حرب الأيام الستة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية المجاورة. وعلى الرغم من اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، ظل جنوب لبنان يشهد توترات وخروقاً متقطعة، ما أبقى المنطقة في حالة هشاشة أمنية.
الأغاني الملتزمة والحرب الأهلية
بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، برز نمط جديد في الأغنية اللبنانية عرف بـ"الأغنية الملتزمة"، اتخذ طابعاً سياسياً واجتماعياً واضحاً. ارتبط عدد من الفنانين الذين تناولوا جنوب لبنان في أعمالهم بتوجهات يسارية، وتقاطعت أعمالهم مع عدة قضايا، أبرزها القضية الفلسطينية.
في هذا السياق، وجه أحمد قعبور تحية إلى جنوب لبنان في ألبومه "أناديكم"، الصادر عام 1976، من خلال أغنية "جنوبيون". كما أطلق الفنان مارسيل خليفة عام 1979 أغنية مهداة إلى أهل الجنوب بعنوان "أنا يا رفاق من الجنوب".
نصري شمس الدين: "غالي والله يا جنوب"
عام 1982، أصدر الفنان نصري شمس الدين أغنية "غالي والله يا جنوب"، من كلمات وألحان عماد شمس الدين، والتي برزت كإحدى أشهر الأغاني الوطنية اللبنانية في تلك المرحلة. تزامن صدور الأغنية مع الاجتياح العسكري الذي أطلقته إسرائيل في يونيو/حزيران 1982.
أمضى نصري شمس الدين القسم الأكبر من مسيرته الفنية في مسرح الرحابنة، وشارك في عدد من الأعمال ذات الطابع الوطني معهم، وكانت "غالي والله يا جنوب" من أشهر أعماله المنفردة.
فيروز: "إسوارة العروس" و"يا زهرة الجنوب"
تعد أغنية "إسوارة العروس"، التي غنتها فيروز عام 1982 من كلمات جوزيف حرب وألحان فيلمون وهبي، من أبرز الأغاني الوطنية اللبنانية التي ذكرت الجنوب بشكل مباشر في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي. تستحضر الأغنية عناصر من المشهد الجنوبي، كزراعة الزيتون والسنابل، وقلعة بحر صور، وصخرة جبل عامل.
سبق ذلك أن غنت فيروز عام 1977، أغنية "يا زهرة الجنوب" ضمن مسرحية "بترا"، رغم أن بعض الآراء تشير إلى أن الأغنية قد تكون مرتبطة بأحداث المسرحية نفسها، التي تدور في مدينة البتراء جنوب الأردن.
جوليا بطرس: "غابت شمس الحق" و"أحبائي"
برزت جوليا بطرس على الساحة الغنائية اللبنانية عام 1985 بأغنية "غابت شمس الحق"، التي اكتسبت مكانة رمزية، وبات كثير من اللبنانيين يرددونها في فترات الأزمات. كتب كلماتها الشاعر نبيل أبو عبدو، ولحنها شقيقها زياد بطرس.
بعد حرب تموز/يوليو عام 2006، عادت بطرس بأغنية جديدة مستوحاة من رسالة كان أمين عام حزب الله حينها، حسن نصرالله، قد كتبها بخط يده إلى مقاتلي الحزب خلال الحرب، تحت عنوان "أحبائي".
التحولات السياسية والانقسامات
خلال السنوات العشرين الماضية، شهد لبنان تحولات سياسية واجتماعية واسعة، وانقسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض لجدوى أي حروب جديدة، وكذلك حيال دور حزب الله. لا تزال مسألة سلاحه ودوره كمقاومة موضع نقاش داخلي واسع في لبنان، في ظل مشاركته في الحياة السياسية وتمتعه بتمثيل برلماني.
هذه الأغاني، باختلاف توجهاتها وأزمنتها، تبقى شاهداً على علاقة الجنوبيين بأرضهم، وتوثيقاً فنياً لتاريخ منطقة شكلت، ولا تزال، قلباً نابضاً في الوجدان اللبناني والعربي.



