رحيل أحمد قعبور: نجم الطرب البيروتي الذي رفض النجومية وبقي بين رفاق الأمس
في زمن تكتسح فيه الجنازات الجماعية المشهد، يبدو نعي الفرد أمراً محرجاً أو مرتبكاً، لكن أحمد قعبور لم يكن فرداً عادياً. كان بيروتياً مغرداً بطبعه، يلوّي طربوشه الظريف قليلاً إلى الأمام، كإشارة رمزية إلى أن شباب الطرب لم يغادروا الحي بعد. لقد جمع في شخصيته بين أصالة مصر القديمة ورقّة بيروت، مع لمسات من فانتازيات أبو العبد وألطافه وتواضعه.
شخصية فريدة تجمع بين التراث والحداثة
لم تنتج بيروت الكثير من المطربين، بل أبرزت قبضايات بشوارب معقوفة وقلوب طيبة، يحلون المشاكل بالحكمة ويفرضون الهيبة لا السطوة. أضاف أحمد قعبور إلى هذه الشخصية البيروتية تطور الابن: لهجة مرخمة، وقصائد حب كامنة، وصياغة مستوحاة من "جفنه علّم الغزل". كان حديثاً في أسلوبه، لكنه حافظ على بساطة الألحان الشعبية وروح الدعابة فيها.
وُلد أحمد في بيروت الأولى، وعاش في مدينة لاهية أطفالها، هانئة في جنان الفقر والقناعة. رفض أن يخرج إلى عالم النجومية الأوسع، مفضلاً البقاء سعيداً بين رفاق الأمس. كان علماً لهم، ونجماً يضيء حياتهم، وناقداً للحياة والمصاعب بينهم. لم يحاول تغيير مظالمه أو الهروب منها، بل جلس يتأملها ويضحك منها راضياً مرضياً.
إرث فني يجمع بين النص واللحن والصوت
تميز قعبور بمزيج فريد من النص واللحن والصوت، مع طربوشه الذي أصبح جزءاً من هويته، وشيئاً من طيبة القبضايات وشهامتهم. كان "بطل" نفسه وشاعر الرفاق، بطربوش ضاحك وشاربين صغيرين. كما كان راوياً يروي الحكايات على عوده الرنان، الذي يذكرنا بعود "عودك يا علي".
عاش قعبور حياة الاسم البلدي المتواضع، وغنّى "لليلة" بتواضع وبلا شكوى، مع الكثير من الفرح. غنى ورقص وهز طربوشه باعتباره رمزاً للبهجة، ولفتة ساخرة من الأيام والسياسة وفراغ السياسيين. يترك وراءه إرثاً فنياً يخلد ذكراه في قلوب محبيه.



