رحيل حياة الفهد... سيّدة الدراما الخليجية تغيب بعد مسيرة فنيّة امتدت لأكثر من نصف قرن
رحيل حياة الفهد... سيّدة الدراما الخليجية تغيب بعد مسيرة فنيّة طويلة

رحيل حياة الفهد... نهاية مسيرة فنيّة استمرت لأكثر من ستة عقود

غيّب الموت الممثلة الكويتية البارزة حياة الفهد يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026، عن عمر ناهز 78 عاماً، لتطوى بذلك صفحة من تاريخ الدراما الخليجية امتدت لأكثر من نصف قرن. كانت الفهد واحدة من الأسماء المؤسسة التي رافقت بدايات التلفزيون في الكويت منذ ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول إلى أيقونة درامية خليجية عبر أعمال لا تُنسى مثل "خالتي قماشة" و"رقية وسبيكة" و"جرح الزمن" و"أم هارون".

من البدايات المتواضعة إلى سيّدة الشاشة الخليجية

ولدت حياة أحمد يوسف الفهد في 15 أبريل 1948 في منطقة شرق بالكويت، قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى حي المرقاب خلال طفولتها. نشأت في ظروف اجتماعية متواضعة، وفقدت والدها في سن مبكرة، ولم تكمل تعليمها النظامي، لكنها عوّضت ذلك بالتعلّم الذاتي فأتقنت القراءة والكتابة بالعربية الفصحى والإنجليزية.

بدأت مسيرتها الفنية مذيعة في إذاعة الكويت بين عامي 1965 و1968، حيث قدّمت عدداً من البرامج الإذاعية المتنوعة. أما دخولها عالم التمثيل فجاء بمحض الصدفة عندما كانت تعمل موظفة في مستشفى الصباح، حيث تعرّفت إلى فرقة "أبو جسوم" الفنية. واجهت معارضة شديدة من أسرتها في البداية، لكنها تمسكت برغبتها الفنية حتى نالت موافقتهم، لتبدأ مشوارها الفني الحقيقي في مسلسل "عايلة بو جسوم" عام 1962.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مسيرة متعددة الأوجه جمعت بين التمثيل والكتابة والإنتاج

تنتمي حياة الفهد إلى الجيل المؤسس الذي واكب البدايات الأولى للتلفزيون والمسرح في الكويت، وساهم بشكل فعّال في وضع اللبنات الأساسية للدراما المحلية والخليجية. لم تقتصر تجربتها الفنية على التمثيل وحده، بل امتدت لتشمل:

  • العمل في الإذاعة كمذيعة ومقدمة برامج
  • التمثيل المسرحي منذ بدايات الستينيات
  • الكتابة الدرامية للعديد من الأعمال التلفزيونية
  • الإنتاج الفني لبعض المسلسلات التي شاركت فيها
  • إصدار ديوان شعري بعنوان "عتاب" في أواخر السبعينيات

خلال السبعينيات، أخذ حضورها يتسع تدريجياً في التلفزيون والمسرح، مع أعمال بارزة مثل "الحدباء" (1970)، و"حبابة" (1978)، و"الأشجار تموت واقفة" (1979). كما شاركت في فيلم "بس يا بحر" (1971)، الذي يُعد أحد أبرز المحطات المبكرة في تاريخ السينما الكويتية.

التحول الكبير في الثمانينيات وتثبيت المكانة

شهدت فترة الثمانينيات التحول الأوضح في مسيرة حياة الفهد، حيث رسّخت مكانتها كنجمة أولى في الدراما الخليجية. برزت خلال هذه الفترة ثنائياتها الفنية المميزة مع الفنانين سعاد عبد الله وغانم الصالح، والتي أثمرت عن أعمال درامية خالدة في ذاكرة المشاهد الخليجي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

في مسلسل "خالتي قماشة" (1983) قدّمت واحدة من أشهر شخصياتها، في عمل درامي مميز مزج بين الكوميديا اللطيفة والنقد الاجتماعي الذكي، وبقي هذا العمل من أكثر الأعمال التصاقاً باسمها وشخصيتها الفنية. ثم جاء مسلسل "رقية وسبيكة" (1986) ليكرّس حضورها الجماهيري الواسع، عبر صورة قريبة من الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية في البيئة الخليجية التقليدية.

كما برزت بشكل لافت في مسلسل "على الدنيا السلام" (1987)، الذي جمعها مرة أخرى مع سعاد عبد الله وغانم الصالح، وشكّل محطة إضافية مهمة في تثبيت حضورها القوي لدى الجمهور الخليجي والعربي.

استمرارية الحضور الفني حتى السنوات الأخيرة

مع مرور العقود، تحوّلت حياة الفهد إلى اسم ثابت في خريطة المواسم الدرامية الخليجية، تمتلك قدرة فريدة على الانتقال بين الأنواع الدرامية المختلفة:

  1. الانتقال السلس بين الكوميديا والتراجيديا
  2. تجسيد الشخصيات الشعبية والأدوار الاجتماعية المركّبة
  3. المشاركة في أعمال تطرح قضايا اجتماعية معاصرة
  4. الحفاظ على حضور رمضاني شبه ثابت لأكثر من 27 عاماً

في التسعينيات، دخلت مجال الكتابة الدرامية بشكل أوسع، وشاركت في صياغة الأعمال التي تؤديها. قدّمت نصوصاً درامية متميزة مثل "سليمان الطيب" (1993) و"الدردور" (1999)، في مرحلة بدأت فيها الدراما الخليجية تميل إلى طرح قضايا اجتماعية أكثر وضوحاً، تعكس التغيرات الكبيرة في بنية الأسرة وأنماط الحياة في المجتمع الخليجي.

الحضور المستمر في الألفية الجديدة

مع دخول الألفية الجديدة، واصلت حياة الفهد حضورها الفني القوي في أعمال درامية تركز على العلاقات الأسرية وتوتراتها الداخلية، في سياق إنتاج تلفزيوني توسّع بشكل كبير مع انتشار القنوات الفضائية. وكان مسلسل "جرح الزمن" (2001) محطة بارزة أعادت تثبيت حضورها لدى جمهور أوسع وأكثر تنوعاً.

في السنوات الأخيرة، حافظت على حضورها المميز في المواسم الرمضانية بأعمال لاقت متابعة واسعة ونقاشاً مجتمعياً، منها:

  • "مع حصة قلم" (2018): الذي تناول موضوع فقدان الذاكرة وتأثيره العميق على العلاقات داخل الأسرة
  • "أم هارون" (2020): الذي أثار جدلاً واسعاً مع تناوله قصة قابلة يهودية في مجتمع خليجي
  • "مارغريت" (2021): الذي عالج مسألة الهوية والانتماء عبر شخصية تعيش بين ثقافتين مختلفتين

وكان آخر ظهور فني لها في مسلسل "أفكار أمي" (2025)، بعد أن غابت للمرة الأولى منذ نحو 27 عاماً عن السباق الرمضاني في عام 2024، قبل أن تعود في العام التالي بحضورها المعهود.

الحياة الشخصية والتكريمات

في حياتها الشخصية، تزوجت حياة الفهد لأول مرة عام 1965 وأنجبت ابنتها سوزان عام 1967، قبل أن تنفصل عن زوجها الأول. تزوجت لاحقاً من الفنان اللبناني محمود حمدي، وارتبط اسمها أيضاً برعاية عدد من الأطفال ضمن محيطها الأسري الواسع.

حصلت على العديد من الجوائز والتكريمات خلال مسيرتها الطويلة، من بينها الجائزة التقديرية في الكويت، كما كرّمت إلى جانب زميلتها الفنانة سعاد عبد الله في حفل "جوي أووردز" عام 2023، تقديراً لإسهاماتهما الكبيرة في تطوير الدراما الخليجية.

إرث فني خالد وتأثير مستمر

برحيل حياة الفهد، تطوى صفحة مهمة من تاريخ الدراما الخليجية، امتدت لعقود طويلة ورافقت تحوّلات هذا الفن منذ بداياته المتواضعة حتى وصوله إلى ما هو عليه اليوم. تنتهي مسيرة فنية بدأت مع البدايات الأولى للتلفزيون في الكويت، واستمرت حتى الإنتاجات الحديثة المعاصرة.

بين هذه البدايات وتلك النهاية، بقيت حياة الفهد حاضرة بقوة في أعمال أعيد عرضها مراراً وتكراراً، وشاهدها أكثر من جيل من المشاهدين العرب، في مسار فني يوازي تطور الدراما الخليجية نفسها. تركت إرثاً فنياً غنياً سيظل حاضراً في ذاكرة المشاهد العربي، وشاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ الفن الدرامي في المنطقة الخليجية.