صالح السهلي: بين حائل والقصيدة
في المشهد الشعري السعودي، يبرز الشاعر صالح السهلي بوصفه أحد الأصوات التي جمعت بين أصالة التجربة وعمق التأمل، إذ استطاع أن يصنع حضوره عبر نصوص تنطلق من صدق الشعور واحترام القصيدة قبل البحث عن الأضواء. وفي هذا الحوار، يفتح السهلي أبواب تجربته الشعرية والإنسانية، متحدثاً عن علاقته بالشعر والحياة، وتأثير المكان في تشكيل وعيه الإبداعي، ورؤيته لتحولات المشهد الشعري في زمن المنصات الرقمية، كما يتناول قضايا تتعلق بشعر «القلطة» والذائقة العامة، ويكشف ملامح الشاعر الذي يسكن خلف النص.
البدايات والتأثيرات
يمضي الشاعر صالح السهلي في بناء صوته الخاص، صوت يرى في الدهشة سبباً للبقاء، وفي الكلمة مسؤولية. بين حائل التي شكّلت ذاكرته الأولى، والمجالس التي صقلت حكمته، والمنصات التي اختبرته أمام الجمهور، يطلّ السهلي هنا ليكشف جانباً من رؤيته للشعر، وللإنسان، وللفن الذي لا يكتبه الشاعر وحده بقدر ما تكتبه الحياة فيه.
وعن سؤال حول هويته خارج القصيدة، قال السهلي: «ما أنا إلا رجل بسيط، أحاول أن أستتر بلطف الله، والشعر يكتبه الرجل وغير الرجل، ومع أن «لكن» تهين ما قبلها، فقد يتزيّن الرجل في قوله شعراً أو نثراً». وأضاف أن القصيدة عنده هي «شيء آخر؛ قد تكون نافذة تطل على أشياء عميقة في الحياة، وقد تكون باباً يفتح على ممرات من التأمل، أو رصيفاً من التساؤلات عن الوجود، والإيمان، والموت، والحياة».
المجالس والكتب
وعن تأثير المجالس مقابل الكتب، أوضح السهلي: «في مجالسة الرجال الأوائل في نشأتي، تعلمت أن الذكاء لا يكفي، وأن العقل «عِقال» يقيّد الرجل ويجعله أكثر حلماً وعلماً. قال لي والدي يوماً: «نصف المعرفة ورطة». كانت المجالس مدارس، وفي عقول وتجارب المؤلفين من العلماء الأفذاذ ما يجعلك أكثر وعياً، وأكثر عمراً».
وحول علاقة حائل بشعره، قال: «حائل مدينة يدين لها كل شاعر وُلد على أرضها المغايرة والمختلفة. حائل لها تأثير كبير ومثير على الإنسان الشاعر، كيف لا، وهي التي عُقدت على الجبال وأنجبت الرجال».
شاعر النخبة أم الجماهير؟
في إجابة صريحة، قال السهلي إن «أكثر قصائدي شهرة أقلّها إبداعاً، والعكس صحيح»، مضيفاً أنه لا يفضل الإجابة عن سؤال أيّهما أقرب له: شاعر الجماهير أم شاعر النخبة، لكنه استدرك: «شاعر النخبة أقرب إلى ذائقتي».
وعن الشعبية في وسائل التواصل، رأى أنها «تخدمه وتختبره في الوقت نفسه. الانتشار جميل، لكنه يكشف الشاعر الذي يملك مشروعاً، ويفرقه عن الشاعر الذي يعيش على لحظة عابرة، ويقتات على المناسبات المؤقتة».
المنصة والنص
في مقارنته بين شاعر يكتب للمنصة وشاعر تذهب المنصة إليه، قال السهلي: «الأول يطارد التفاعل، والثاني تلاحقه القصيدة. المنصة قد تمنحك حضوراً، أما النص وحده فيمنحك بقاءً». وأضاف أن الشعر قد يخسر عمقه إذا تحول إلى مقطع متداول وأُخذ منه بيت واحد خارج سياقه، لكنه قد يكسب جمهوراً جديداً، والأمر يعود إلى قوة النص ووعي المتلقي.
ذائقة الجمهور والتسويق
وعن تغير الذائقة بين قصيدة المجلس وقصيدة المنصة، قال: «القصيدة واحدة في المجلس والمنصة، ولكل منهما حضور مسرحي مختلف. اليوم الشعر أجمل بكثير من السابق، وهذا يعود إلى المتغيرات؛ فالأدوات اختلفت، وآلة الشعر تجددت ونضجت».
وحول حاجة الشعر اليوم إلى شاعر قوي أم مسوّق ذكي، أوضح: «هذا يعتمد على ذائقة الجمهور، لكن التسويق غير المنصف أفسد الذائقة وأربك العذوبة».
نصيحة للصغير
في ختام الحوار، قدم السهلي نصائح لصالح السهلي الصغير لو عادت به البدايات: «اقرأ أكثر، أسمع أكثر، وأكتب أكثر. سأكون صادقاً معك: هناك قصائد تمنيت لو أنني كتبتها في البدايات، أما الآن فقد ذهب وقتها، وما عاد لكتابتها مبرر».
شعر القلطة والمسؤولية
وعن شعر «القلطة»، قال السهلي: «شعر «القلطة» فن جميل وله حضوره، وحافظ في جوانب كثيرة على روحه، لكنه في بعض المواقف ينجرف إلى تنافر قبلي أو حماس زائد. هنا تظهر مسؤولية الشاعر والجمهور معاً». وأكد حاجته إلى وعي قبل الميثاق، قائلاً: «متى ما اتفق الشعراء والجمهور على أن الفن أكبر من التعصب، سيبقى شعر «القلطة» جميلاً ومحترماً ومؤثراً».
ما يريد أن يبقى
في جملة واحدة، اختتم السهلي حواره قائلاً: «أريد أن أبقى شاعراً كتب بصدق، واحترم القصيدة، وترك بيتاً يلامس الناس بعد غيابه».



