كيف توثق الأغنية الشعبية الزمن وتتأثر بتغير ذائقة المتلقي؟
توثيق الأغنية للزمن وتغير ذائقة المتلقي

كيف توثق الأغنية الشعبية الزمن وتتأثر بتغير ذائقة المتلقي؟

لم يكن البيت الذي كتبه الشاعر طاهر زمخشري، المعروف بـ"بابا طاهر"، والذي يقول "أسرع من البوينج يا لابس الطرحة"، مجرد جملة عابرة في نص شعري، بل كان جزءاً من أغنية التقطت بدقة صورة زمنٍ كانت فيه الطائرة تمثل أقصى ما يمكن تخيله من سرعة وحداثة.

الأغنية كمرآة للتحولات الاجتماعية

في تلك المرحلة، كانت "البوينج" تختصر فكرة التقدّم كما يراها الناس، لذلك جاء حضورها طبيعياً وقريباً من الوجدان العام، لأن الأغنية بطبيعتها تستعير مفرداتها من الواقع الذي يعيشه المجتمع، وتحوّل ما هو مألوف إلى صورة تعبّر عن إحساس إنساني بسيط وواضح.

الأغنية، بحكم قربها من الناس، كانت دائماً أكثر الفنون قدرة على التقاط تفاصيل التحول الاجتماعي. فعندما ظهرت السيارة، دخلت كلمة "الموتر" في بعض النصوص الشعبية، وحين أصبح الهاتف جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، ظهرت مفردة التليفون في كلمات غنائية لاحقة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

لم يكن إدخال هذه المفردات خروجاً عن الذائقة الأدبية، بل كان انعكاساً لطبيعة الحياة في تلك الفترة، حيث يصبح الشيء الجديد جزءاً من الحديث اليومي، ومن ثم جزءاً من التعبير الفني الذي يسعى إلى أن يكون قريباً من المتلقي.

توثيق اللحظة التاريخية

إن حضور مفردات العصر في الأغنية لا ينتقص من قيمتها، بل يمنحها قدرة أكبر على توثيق اللحظة التي كُتبت فيها، فالأغنية لا تنقل إحساساً مجرداً فقط، بل تحفظ أيضاً صورة المجتمع وهو يتعرّف على ملامح التغيّر من حوله.

وحين نعود اليوم إلى بيت يتضمن إشارة إلى الطائرة أو الهاتف أو السيارة، فإننا لا نستحضر الكلمة وحدها، بل نستحضر معها شكل الحياة في ذلك الوقت، وكيف كان الناس يرون التقدم ويعبّرون عنه بلغتهم اليومية.

التقنية وتطور الذائقة

ولو عاش طاهر زمخشري في زمن الذكاء الاصطناعي، لربما اختار مفردة أخرى تعبّر عن طبيعة الحياة اليوم، مفردة ترتبط بسرعة الوصول أو فورية التواصل، وربما قال مثلاً "أسرع من ومضة الشاشة يا لابس الطرحة" أو "أجيك قبل ما تكتمل الرسالة!".

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بالكلمة الجديدة بقدر ما يتعلق بذائقة المتلقي نفسه؛ فكما تغيّرت مفردات الحياة، قد تتغيّر أيضاً حساسية الجمهور تجاه الصور الشعرية، وقد يصبح ما يبدو مألوفاً اليوم مختلفاً في الغد.

لا نعلم على وجه الدقة كيف يمكن أن يتطور الشعر في ظل التحولات التقنية المتسارعة، ولا كيف ستتشكّل ذائقة المتلقي في زمن تتغير فيه وسائل التعبير بسرعة لافتة، فربما يتقبّل الجمهور مفردات جديدة بوصفها امتداداً طبيعياً للحياة اليومية، وربما يحنّ إلى البساطة القديمة التي لا تتكئ كثيراً على تفاصيل التقنية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الثبات في التعبير الإنساني

الذائقة بطبيعتها تتشكل بهدوء مع مرور الوقت، وهي لا تنفصل عن البيئة التي يعيش فيها الإنسان، لذلك يبقى احتمال التغيير قائماً كما يبقى احتمال المحافظة على روح التعبير البسيط قائماً أيضاً.

ومع ذلك يظل الثابت أن الأغنية تنجح حين تعبّر بصدق عمّا يشعر به الناس، بغض النظر عن المفردة المستخدمة، فقد تتبدل الكلمات لكن الحاجة إلى التعبير القريب من الحياة اليومية ستبقى حاضرة، لأن الإنسان يميل دائماً إلى ما يشبه تجربته ويعكس تفاصيل واقعه.

رحم الله الشاعر طاهر زمخشري "بابا طاهر"، وكل من كان له بصمة توثيق مجتمعية ثقافية جميلة، فقد حفظت أعمالهم صورة المجتمع في لحظات تحوّله، وتركت لنا نصوصاً نرى من خلالها كيف كانت اللغة تواكب التغيّر دون أن تفقد بساطتها، لتبقى بعض الأبيات شاهدة على زمنها، حتى مع تغيّر مفردات الحياة وتعاقب أجيال المتلقين.