حكمة أبي العلاء المعري: التوسط بين الإفراط والتفريط في الحياة
حكمة المعري: التوسط بين الإفراط والتفريط في الحياة

حكمة أبي العلاء المعري: التوسط بين الإفراط والتفريط في الحياة

يُعدُّ أبو العلاء المعري (363-449هـ = 973-1057م) أحد أبرز شعراء الفلاسفة وفيلسوف الشعراء في التراث العربي الإسلامي، حيث وُلد وتُوفي ودُفن في معرة النعمان بإدلب السورية، وفقد بصره في سن السابعة بسبب الجدري، لكن هذا لم يمنع جماح ذكائه وإبداعه الشعري الذي بدأ في سن الحادية عشرة.

بيت الشعر الذي صار مثلاً سائراً

من بين قصائده الخالدة، تبرز لاميته التي ذهب معظم أبياتها أمثالاً سائرة، ومنها البيت الشهير: "وَإِنْ كُنْتَ تَهْوَى الْعَيْشَ فَابْغِِ تَوَسُّطًا فَعِنْدَ التَّنَاهِي يَقْصُرُ الْمُتَطَاوِلُ". وقد ساق ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" عدداً من أبيات هذه القصيدة، معتبراً هذا البيت من أجمل ما قاله المعري.

يبدأ الشاعر بيتَه بأداة شرط: "وإن كنت تهوى العيش"، ويتبعها بجواب الشرط: "فابغِ توسُّطًا". وهنا يخاطب المعري فرداً غير مسمى بنصيحته، التي يريد إيصالها إلى كل من يبلغه شعره، مستخدماً كلمة "تهوى" التي تعني المحبة والاشتهاء، سواء أكانت محمودة أم مذمومة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

التوسط في الميزان اللغوي والفقهي

في اللغة العربية، التوسط يعني الصيرورة في وسط الشيء، كما في قولهم: "واسطة القلادة" للدلالة على الدرة التي في وسطها وهي أنفس خرزها. أما في الاستعمال الفقهي، فقد ذكر القرطبي أن الهوى سُمي هكذا لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق.

لكن المعري يستعمل الهوى هنا في معنى محمود، حيث أن محبة العيش من طبائع البشر، وعندما ينطبق هذا على كل أحد كما أراد الشاعر، فإنه يشد انتباه المنصوح إلى لب النصيحة: ضرورة التوسط.

التوسط الممدوح والتوسط المذموم

نصيحة المعري لمن يهوى العيش من أجل حياة أفضل، باتباع التوسط في شؤون الحياة، تتعلق بالخيارات بين الإفراط والتفريط. وهذا ما يتضح في قول أبي سليمان الخطابي: "ولا تَغلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم"، أي أن الطرفين هما النقيضان، واقتصد باختيار التوسط بينهما.

بالمقابل، نجد أبا فراس الحمداني يفتخر بقومه نافياً عنهم التوسط في قوله: "ونحن أناس لا توسُّط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر". هنا يوضح الحمداني أن الخيارين اللذين يقصدهما ليسا خيارين متناقضين يمثلهما تطرفان (إفراط وتفريط)، بل هما خيار صائب في بلوغ المعالي وتحقيق الصدارة، وخيار آخر مجافٍ للصواب.

حكمة خالدة عبر العصور

من أبيات أخرى في قصيدة المعري التي صارت أمثالاً سائرة، قوله مفتخراً: "ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل عفاف وإقدام وحزم ونائل"، وقوله: "وإني وإن كنت الأخير زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل"، وقوله: "ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلت حتى ظن أني جاهل".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إن التوسط الممدوح عند المعري وغيره من الحكماء هو ما كان بين تطرفين، أما الوسط الذي يكون بين الصواب والخطأ، فليس توسُّطاً يُحمد لزومه، بل جنوح عن الحق. وهذه الحكمة تبقى نبراساً يضيء دروب الحياة في كل زمان ومكان، مؤكدة أن الاعتدال هو سبيل العيش الكريم والوصول إلى الحكمة.