أنيس فريحة وكتابه 'حضارة في طريق الزوال': رحلة في عمق التناقضات الفكرية والتراثية
في سيرته الذاتية الأولى 'إسمع يا رضا!'، كشف أنيس فريحة عن بداياته كمدرس للغة العربية في بلدة سوق الغرب، حيث كان من بين طلابه سيدة أميركية أرسلت إلى فلسطين. اختارت هذه السيدة أن تقضي عطلة سبتمبر في تعلم اللهجة المحكية، مع التركيز على موضوع القرية اللبنانية كمحور لأحاديثهما.
من الحوار إلى التأليف: ولادة كتاب رائد
امتد الحديث بين فريحة والمبشرة الأميركية ليشمل جوانب متعددة من حياة القرية اللبنانية، من العيش والمكاسب إلى العادات والأساطير. أعجبت السيدة بأخبار القرية قبل زوال حضارتها، واقترحت عنوان 'حضارة في طريق الزوال!' لكتاب محتمل. في عام 1956، صدرت سيرة فريحة، وفي 1957، نشر كتابه 'حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية' ضمن منشورات كلية العلوم والآداب في الجامعة الأميركية ببيروت، ليصبح عملاً رائداً في توثيق الفلكلور اللبناني.
في الطبعات اللاحقة، مثل طبعة دار النهار 1980 ودار غروس برس 1989، تغير العنوان إلى 'القرية اللبنانية: حضارة في طريق الزوال'. يشكك الكاتب في أن الاقتراح جاء من السيدة الأميركية، بل يعتقد أن فريحة خشي اتهامه بالاستمداد من جملة أحمد كمال في كتاب 'أسس النهوض القومي العربي'، والتي انتقدها سابقاً في دراسة 'الفكر العربي: مشكلته' عام 1950.
تناقض صارخ: بين النقد والدفاع
في نقده الغاضب، هاجم فريحة التعميم والتحامل في وصف الحضارة الغربية بالمائلة للزوال، ودعا العرب إلى التحرر من طغيان الماضي لفهم الغرب بشكل صحيح. ومع ذلك، في مقدمة كتابه، صور تحديث القرى اللبنانية كـ'غزو' عنيف من الحضارة الغربية، مؤكداً على زوال التراث القروي من البيوت إلى العادات.
هذا التناقض يبرز في موقفه المزدوج: فبينما دعا في القول الأول إلى التقدم بالتحرر من الماضي، وقف في القول الثاني ضد مظاهر التحديث في القرى اللبنانية، مدافعاً عن طغيان الماضي القروي. تساءل المقال عما إذا كانت القرى اللبنانية تعرضت فعلاً لـ'غزو' تحديثي قسري، مشيراً إلى أن التحديث لم يكن إجبارياً في عهود ما قبل وبعد الاستقلال.
الإطار الأكاديمي والملاحظات النقدية
في الفصل الأول من الكتاب، توقف فريحة عند تفسير الفلكلور وتساءل عن انتمائه العلمي، ذاكراً علوماً مثل الاجتماع والأثنولوجيا، لكنه أغفل علم الأثنوغرافيا، ربما سهواً. كما وقع في خطأ طباعي بكلمة 'البسيوكولوجيا' بدلاً من 'السيكولوجيا'. لم يحدد فريحة نوع دراسته بدقة، واكتفى بالإيماء إلى طابعها الفلكلوري، رغم أنها في الجوهر دراسة أثنوغرافية وصفية ترتكز على قريته رأس المتن.
يستمر النقاش حول هذه التناقضات، مؤكداً على أهمية الكتاب كوثيقة تراثية، بينما يسلط الضوء على تعقيدات الرؤية الفكرية لفريحة بين الحداثة والتراث.



