عبده خال: قلمك حصانك.. نقد السيرة الذاتية العربية بين التجميل والبوح
عبده خال: قلمك حصانك ونقد السيرة الذاتية العربية

عبده خال: قلمك حصانك.. نقد السيرة الذاتية العربية بين التجميل والبوح

في مقال نقدي لافت، يطرح الكاتب عبده خال تساؤلات عميقة حول طبيعة السيرة الذاتية العربية، مشيراً إلى أنها غالباً ما تفتقر إلى الصراحة والوضوح، وتتسم بالتجميل بدلاً من البوح بالحقائق. ويؤكد خال أنه في كل ما قرأه من سير ذاتية، لا يجد الحقيقة الساطعة لما مر بحياة الكاتب، بل يرى أنها كتابة "تجمّل" وليست كتابة صريحة، مما يدفعه إلى الإعراض عما يكتب في هذا المجال.

من لسانك حصانك إلى قلمك حصانك

يستدعي خال المثل الشهير "لسانك حصانك"، ويقترح تغييره إلى "قلمك حصانك"، في إشارة إلى قوة الكلمة المكتوبة وتأثيرها. وقد سبق أن كتب مقالاً بعنوان "شمعٌ أحمرٌ على الأفواه"، حيث لاحظ أن الأصدقاء من الكتّاب والنقاد ما زالوا مغرمين بتحفيز الكتّاب على كتابة السير الذاتية، رغم شكوكه المستمرة في مصداقيتها.

ومنذ وقت طويل، يشكك خال في كل سيرة ذاتية عربية لأسباب جوهرية، ويعيد التأكيد على رأيه السابق بأن الثقافة العربية تقوم على عدم المجاهرة، على عكس الثقافة الأوروبية التي تقوم على البوح. ففي الثقافة الأوروبية، الاعترافات بين الكاهن والتائب أسست لفكرة تعري الشخصية، بينما ثقافتنا الإسلامية تؤسس لقناعة الكتم وعدم البوح، مما يجعل السير الذاتية العربية تفتقر إلى المجاهرة بالتفاصيل الحقيقية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

سهيل إدريس: نموذج نادر للتجرد

يتوقف خال عند سيرة الأديب سهيل إدريس كنموذج استثنائي، متسائلاً: هل كانت اعترافات سهيل إدريس تأسيساً لمصداقية كتب السير الذاتية العربية؟ ويشير إلى أن كتاب "ذكريات الأدب والحب" قد يكون أول سيرة عربية كُتبت بتجرد، حيث حاول الكاتب الوصول إلى الحقيقة الواقعية التي عاشها.

يصف خال كيف أن إدريس لم يتورع عن ذكر تفاصيل صادمة، مثل علاقته بأبيه، حيث كتب: "لم أكن أحب أبي"، ووصف صفات مستنكرة عنه. هذا البوح، وفقاً لخال، لا يعكس نظرية قتل الأب فحسب، بل يكشف عن حالة إنسانية معقدة، مع التأكيد على أن إدريس بدأ حياته بشاهدي زور، مما يطرح تساؤلات حول تصحيح التاريخ أو شهادة على حالة مجتمعية.

مشاهد إنسانية وتفاصيل ثقافية

يرسم إدريس في سيرته صورة رائعة لأول علاقة له بالجنس الآخر، من خلال طفلة التقى بها أثناء اجتماع عائلي لسماع أم كلثوم، في مشهد يحرك القلوب ويتكرر في كل بقعة إنسانية. كما يسرد تفاصيل عن طفولته وتعليمه، مثل خطأ حسابي جعل أستاذه يصفه بـ "طالب عدمان حمار"، وبداياته الأدبية منذ سن الخامسة عشرة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

من خلال سرديته، يسجل إدريس ماضياً عبر لبنان بحرفية روائي متمكّن، مما يجعل القارئ يلمس شخصياته ويشم عبق المكان، ويزاحم الأحداث والحياة الاجتماعية التي صنعت واقعاً ثقافياً عربياً مؤثراً. ويشير خال إلى أن انهمار الذاكرة هذا كان بالإمكان أن يواصل تدفقه في جزء ثانٍ من السيرة، لولا وقوف "العيب" كشمع أحمر أسدت به الأسرة ثقب الصنبور المفتوح قبل خروج الأوحال.

خاتمة: نحو سيرة ذاتية أكثر صدقاً

يختتم خال مقاله بتأكيد أن السيرة الذاتية العربية ما زالت تواجه تحديات في البوح والصراحة، بسبب الثقافة السائدة التي تفضل الكتم على المجاهرة. ويشدد على أهمية تجاوز هذه الحواجز لكتابة سير أكثر صدقاً وتجرداً، كما في حالة سهيل إدريس، الذي قدم نموذجاً نادراً للتعبير عن الذات بجرأة. ويبقى السؤال: هل يمكن للكتّاب العرب تبني "قلمك حصانك" كشعار للبوح في عصر يتطلب المزيد من الشفافية؟