قراءة في منصة إكس: لماذا لا ينتشر المبدعون؟
قراءة في منصة إكس: لماذا لا ينتشر المبدعون؟

يرى الكاتب أحمد عبد الرحمن العرفج أن منصة "إكس" لا تكافئ الأجمل أسلوباً بل الأوضح والأقرب للفهم، وأن الانتشار يبدأ من تغريدة واحدة لامعة تجذب القرّاء إلى الحساب، لا من تحسين البايو أو الإكثار من النشر فقط. يؤكد أن التفاعل الذكي مع المؤثرين، والردود المضافة لا المادحة، واختيار اسم واضح قابل للبحث، وصياغة جمل تشبه القارئ وتُحمل وتُقتبس؛ هي مفاتيح الانتشار. وينتقد مثال "وضّاح الأدب" لعدم وضوح اسمه وهويته، ليخلص إلى أن البلاغة الحقيقية هي الجمع بين الجمال والوضوح والقدرة على الوصول للناس لا مجرد الإبهار اللغوي.

لماذا لا ينتشر المبدعون؟

في كل مجلس من مجالس "إكس" رجل نابه، فصيح القلم، إذا كتب أطرب.. ثم تنظر إلى عدد متابعيه فتجدهم أقل من عدد أصابع يديك! وهنا الدرس الأول: المنصة لا تكافئ من يُحسن، بل تكافئ من يُفهَم. ولو كانت العبرة بالجمال وحده، لكان أبلغ الناس أكثرهم متابعين.

وقد قسموا "استراتيجية الانتشار" أثلاثاً: هيئ حسابك، واصنع محتواك، وابن علاقاتك.. وهو كلام ظاهره الصحة، ولكنه رتب البيت من السقف! إذ ظن أصحابه أن الناس تأتيك من باب حسابك، والحق أنها تأتيك من شباك تغريدة واحدة طارت فأضاءت، فجرت خلفها الزائرين. فالمنصة لا توزع الرجال، بل توزع الكلام! تأخذ تغريدتك لا اسمك، فإن أعجبت الناس عرجوا على دارك.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أمثلة على الناجحين

وانظر إلى من أتقن هذه السنة فصار مثلاً يُحتذى: "نايفكو"، و"طراد الأسمري"، و"إياد الحمود"، و"نواف العصيمي".. فإنك لا تجدهم يتباكون على قلة المتابعين، لأنهم فهموا اللعبة: صنعوا الكلمة التي يُجذب الناس من أجلها، ثم جعلوا حساباتهم داراً تليق بالضيف حين يأتي. فبدؤوا من حيث ينبغي أن يُبدأ، لا من السقف!

أما "البايو" الذي جعلوه أول الخطوات، فما هو بشبكة صيد، بل مكتب استقبال! لا عمل له حتى يأتي الزائر، فإذا جاء حوله من عابر إلى مقيم. والأهم فيه أمران: أن يكون اسمك قابلاً لأن يُبحث عنه، وأن تقول جملتك للغريب: هذا ما أقدمه، فادخل.

المحتوى والتفاعل

وتحدثوا عن "المحتوى المتنوع" و"الجدولة".. وهذا حق، ولكنهم نسوا سر الأسرار! فالمنصة لا تزن إعجابك بقدر ما تزن ردك، ولا تحتفي بمن نشر كثيراً، بل بمن أبقى الناس عند كلامه طويلاً. فالرد يساوي أضعاف الإعجاب، والاقتباس فوقهما، وزمن بقاء القارئ عند نصك أثمن من ذلك كله. ومن وضع رابطاً خارجياً في متن تغريدته، فقد دل المنصة على أنه يريد إخراج الناس منها.. فعاقبته بأن أخفته!

وهناك محور وضعوه آخراً وهو أولى بأن يكون أولاً: التفاعل وبناء العلاقات! فإن الرد الذكي المبكر على كبار مجالك أسرع طريق إلى الناس اليوم.. بشرط أن يكون رداً يضيف، لا رداً يمدح! فالمديح يمر، والإضافة تُحفظ. واحذر ترند العوام الذي لا يخصك، فإنه يجلب لك متابعين كضيوف الأعراس: يأكلون ثم يرحلون!

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مأساة وضاح الأدب

وهنا أعود إلى صاحبنا المتألق "أحمد عدنان".. رجل جمع الموهبة كلها، ثم — رحمة بنا — وضع في خانة الاسم "وضاح الأدب"! فمن جاء يبحث عن "أحمد" لم يجده، ومن صادف "وضاحاً" لم يعرفه. والقاعدة في الحياة كما في "إكس": من غير اسمه ضاع، ومن ضاع لم يُتابَع! ولو أن المتنبي كتب في بايوه "صاحب الخيل والليل" لمر عليه الناس وقالوا: دعوا هذا المتفلسف وشأنه!

ثم إن في لقبه مأساة ثانية.. فإن "وضاح الأدب" لقب لا يفهمه إلا وضاح نفسه! ولا يدري الغريب: أشاعر هو؟ أم ناقد؟ أم بائع عطور تخصص في الأدب؟! وثالثة الأثافي أن جمال كتابته صار عبئاً عليه، فالنص البديع يُعجب به القارئ.. ثم يمضي! لأنه استمتع وحده، ولم يجد فيه ما يشاركه به الناس. بينما الشذرة التي تشبه القارئ، يحملها ويطوف بها ويقول: هذا لسان حالي!

الخلاصة

والخلاصة بعد طول تجربة: أن المنصة لا تطلب منك أن تكون أبلغ، بل أن تكون أوضح. وأن الموهبة وحدها لا تكفي، فكم من مبدع ماتت موهبته في الظل، لأنه ظن أن الجمال يكفي.. ونسي أن الجمال إذا لم يُرَ، فكأنه لم يكن!

فيا "أحمد عدنان".. أعد إلينا اسمك، ودع "وضاح" يستريح! واجعل بايوك يقول من أنت قبل أن يقول كم أنت بليغ، واكتب الشذرة التي تقف وحدها فيحملها الناس، وانظر كيف صنع "نايفكو" و"طراد" و"إياد" و"نواف" انتشارهم.. ثم سر على دربهم. فإن المنصة بحر.. والبليغ الذي لا يُرى، كاللؤلؤة في قاع المحيط: ثمينة.. ولكن لا يراها أحد!

وبعد: فإن هذه ليست دعوة لأن نكتب كتابات رديئة لنُفهم، بل دعوة لأن نكتب كلاماً جميلاً لذيذاً يجمع بين الفهم والوضوح واللذة. فالبلاغة أن توصل، لا أن تُعجز.. والكاتب الحق من يُطرب الأذن، يصل إلى القلب.