لا تزال كتب العلوم تطالعنا بتقسيماتها للكائنات إلى كائنات حية وجمادات، وتعتبر الجمادات أشياء منعدمة الحياة لا تتوفر فيها خصائص الكائن الحي. لكن عند التأمل في الوحي المقدس والواقع والتطور العلمي، نجد أن هذه المغالطات القديمة غير صحيحة.
الحركة في الجمادات
أثبت القرآن الكريم حركة الجمادات في قوله تعالى: «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ» (النمل: 88). فالجبال ليست جامدة ساكنة، بل تتحرك بعوامل التعرية، مما يغير معالم الأرض. كانت الجزيرة العربية مروجاً وبساتين وأنهاراً، ثم تغير مناخها وشكلها بفعل حركة الجبال والصحارى، وستعود كما أخبر النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً». ولولا هذه الحركة في عناصر الكون لما حدث التغير على الأرض.
لغة الجمادات وتسبيحها
للجمادات لغة وحديث، فهي مخلوقات ناطقة وليست صامتة. سبّح الحصى في يد النبي ﷺ، وكانت الجبال تردد تسبيح داود عليه السلام: «يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ» (سبأ: 10). ويؤكد القرآن تسبيح كل شيء: «وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» (الإسراء: 44). وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن كل جبل وشجر كان يسلم على النبي ﷺ بمكة.
شعور الجمادات وإحساسها
للجمادات مشاعر؛ تحب وتكره، وتسالم وتعادي. قال النبي ﷺ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». وقصة حنين الجذع مشهورة، حيث اشتاق الجذع للنبي ﷺ بعد أن ترك الخطبة عليه، فاحتضنه حتى سكن. وعلق الإمام البيهقي: «قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، وتدل على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكاً كالحيوان». كما أن الجمادات تخشع وتتأثر بالقرآن: «لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» (الحشر: 21). بل إن بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار أو تهبط من خشية الله، كما في الآية: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» (البقرة: 74).
دعوة لإعادة النظر
حري بنا إعادة النظر إلى صفات الجمادات التي جعل الله لها حياة وملكوتاً، فهي ليست مجرد أشياء جامدة، بل مخلوقات تسبح بحمده وتتحرك بإرادته. قال تعالى: «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ» (النمل: 88).



