نجح الناقد الأكاديمي الدكتور عبدالله السفياني في إعادة النقاشات الثقافية إلى الواجهة بمقالة راصدة انطلقت من استنطاقه حواراً بودكاستياً مع عرّاب الحداثة أدونيس بعنوان "من الهدم إلى صرخة المعيار.. أدونيس في مواجهة أدونيس". تناول المقال انقلاب أدونيس على نفسه، إذ كان يدعو إلى الهدم المجازي لشرعنة قصيدة النثر، ثم أصبح بعد سبعة عقود ينادي بالاحتكام إلى المحك المعياري، معتبراً أن قصيدة النثر غدت مبتذلة يكتبها من لا يعرف أصولها.
أشعلت المقالة نار التجاذبات والاستقطابات التي لم تخمد تماماً بعد، وتباينت ردود الأفعال. فمن اللافت أن بعض مدّعي الافتتان بأدونيس تضامنوا مع المقالة ربما لمآرب، فيما ناصرها آخرون انطلاقاً من مواقف تاريخية، وتحفّظ البعض عليها اعترافاً بمكانته الثقافية والفكرية، والتزم آخرون الصمت كي لا يخسروا أحداً.
مواقف شعراء ونقاد من المقالة
سامح محجوب: الفن تجريب ونظام محكم
يرى مدير بيت الشعر العربي الشاعر سامح محجوب أن الفن هو تجريب وانزياح ونظام تراتبي محكم، بغض النظر عن المدرسية التي حاول الأكاديميون تأطيرها بتعاريف سطحية. وأكد أنه ليس في معرض الرد على مقولات أدونيس، لكنه يتحفظ على نعته بالأب الروحي للحداثة العربية، قائلاً: "إن كان علي أحمد سعيد إسبر أباً روحياً لأحد فهو لشخصه فقط، وليس لمشروع الحداثة العربية". وتساءل محجوب: "هل يعقل أن كل ما نعرفه عن الحلاج يعود للويس ماسينيون؟ وأن كل معارفنا الحديثة حول قصيدة النثر تعود لكتاب وحيد هو 'قصيدة النثر' لسوزان برنار، الذي تم تدشينه عربياً بلا مساءلة أو نقد؟"
عبدالعزيز الشريف: حرية أدونيس تحولت إلى فراغ
يؤكد الشاعر عبدالعزيز الشريف أنه وجد نفسه بين اقتناع جزئي وقلق إزاء مقالة السفياني، مشيراً إلى أنها تشير إلى اتساع مساحة القول في الشعر العربي مقابل تراجع القدرة الفعلية على الكتابة. وأوضح أن أدونيس لم يدعُ إلى الفوضى، بل إلى تحرير الشعر من سلطة المعيار الجاهز، لكن هذه الفكرة تحولت عند كثيرين إلى فراغ لا خلق. ويرى أن "أدونيس المتأخر" ليس متناقضاً، بل هو ارتطام بفهم ناقص لتجربته.
عبدالرحمن سابي: تراجع أدونيس دليل على انزلاق الحداثة
يذهب الشاعر عبدالرحمن سابي إلى أن تراجع أدونيس والاعتراف بالفلتان دليل على انزلاق العديد من أرباب الحداثة في مهاوي الأحادية الفكرية والنرجسية التي عطلت منابع التراث. وعدّ ذلك محاولة للحاق بركب الثابت وأزليته وقدرته على التحديث.
رد أدونيس: لن أناقش كاتباً لم يعرف كيف يقرأني
رد أدونيس على المقالة بقوله: "لن أناقش كاتب المقالة أبداً، ليس لأنه انتقدني، فهذا من حقه، لكنه لم يعرف كيف يقرأني". وعن تراجعه عن بعض أطروحاته، أوضح أنه لا يتراجع إلا إذا رأى الخطأ، مضيفاً: "نعم لقصيدة النثر في المطلق، وكلا لقصيدة نثر يكتبها شخص ليس شاعراً ولا يعرف لغته".
أشجان هندي: السفياني انطلق من داخل التجربة
ترى الشاعرة الدكتورة أشجان هندي أن السفياني أفاد وأجاد، مستنداً إلى أدلة من داخل تجربة أدونيس. وتعتبر أن فكرة الأدنَسة لا يمكن فصلها عن سياقاتها التاريخية والجغرافية، ويُحسب لأدونيس أنه نصّب نفسه عراباً للحداثة في لحظة تاريخية سادت فيها نظرة أحادية. وترى أن تراجعه اليوم -إن كان كذلك- أمر محمود، لأنه الأحق بمراجعة تجربته.
إبراهيم زولي: قراءة انتقائية تتحول إلى مطاردة
يرى الشاعر إبراهيم زولي أن النقد الجاد لا يختزل تجربة ثمانين عاماً في مقطع بودكاست عابر. ويؤكد أن المشكلة ليست في اختلاف السفياني مع أدونيس، بل في أنه لم يدخل إلى مشروعه من أبوابه الكبرى، بل من نافذة ضيقة. ويضيف: "من يقرأ أدونيس قراءة متأنية يعرف أنه لم يدعُ يوماً إلى حداثة تعني الأمية اللغوية، ولا إلى قطيعة عمياء مع التراث". ويرى أن تحميل أدونيس مسؤولية كل كتابة رديئة هو حجة واهية.
علي مكي: أدونيس لا يتراجع بل يتقدم داخل مشروعه
يؤكد الكاتب علي مكي أن ما يحدث ليس تراجعاً، بل إعادة تموضع داخل المشروع نفسه. ويوضح أن أدونيس حين يتحدث عن فوضى قصيدة النثر، فإنه يمارس مساءلة النتائج من داخل التجربة، والمسافة النقدية لا تعني التراجع بل النضج. ويرى أن مقالة السفياني بنيت على قراءة مبتسرة، تفترض أن الدعوة إلى الهدم كانت دعوة إلى الفوضى، بينما كانت دعوة إلى تفكيك النسق المغلق. ويخلص إلى أن أدونيس لا يتراجع بل يتقدم داخل مشروعه، وما يبدو تناقضاً هو تحول طبيعي لفكر حي.



