عبدالله العتيبي.. قيثارة الكويت التي صدحت بالوطن حتى الرحيل
عبدالله العتيبي.. قيثارة الكويت التي صدحت بالوطن

تفتخر الأوطان عادة بشعرائها، لأنهم صوتها المعبر في المحافل الداخلية والخارجية عن ماضيها وحاضرها وطموحاتها في المستقبل، خصوصاً أولئك الشعراء الذين يوجهون إبداعاتهم نحو التغني بالوطن، ويرفعون أصواتهم في أوقات المحن، ويخدمون قضيتها على مر الزمن. وفي أوطاننا الخليجية ثمة أسماء وقامات شعرية أثبتت بقصائدها وعطائها ومواقفها عشقاً لأوطانها يعجز المرء عن وصفه، وهياماً بتاريخها وتراثها يفوق حد الخيال.

أحد هؤلاء الشعراء الذين أنجبتهم الكويت، فأمطرها على مدى سنوات عمره وحتى آخر لحظة من حياته بقصائد وأشعار تتغنى بشموخها، وكفاح رجالاتها في البر والبحر، ومواقف قادتها، وثبات أبنائها على الحق، وجمال ترابها وناسها، مستخدماً المفردات العذبة والجمل المؤثرة والتشبيهات الحماسية، والعبارات السلسة، هو الشاعر الراحل عبدالله العتيبي، الملقب بـ«عاشق الدار» و«صوت الكويت الدافئ» و«قيثارة الوطن»، و«أمير الكلمة».

عُرف العتيبي بحسّه الوطني والقومي، وتأثره بشاعر العراق بدر شاكر السياب، فجاءت قصائده، سواء بالفصحى أو العامية، معبرة عن واقع وأحلام وطنه الكويت، حيث بدأ حياته الأدبية مع الشعر في عام 1965، حينما نظم قصيدة وطنية بمناسبة الاحتفال بذكرى عيد الاستقلال في تلك السنة، وتمت إذاعتها من إذاعة الكويت، قبل أن يغنيها شادي الخليج من ألحان أحمد باقر، فيصدح منشداً:

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أنا عربي والعروبة أمّتي
بالعيد جئت معبراً عن فرحتي
أقسمت أن أهب الحياة رخيصة
لتظل في أفق التحرر رايتي
شعب عريقعرف الطريق لعزتي وكرامتي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

بعدها استثمر علاقاته بأهل النغم في تحويل قصائده الوطنية إلى قطع موسيقية ولوحات فنية وأوبريتات راقصة تشنف الآذان وتدغدغ المشاعر وتسلب الأفئدة، وتمتع الأبصار، فولدت، من خلال تعاونه مع صوت شادي الخليج وموسيقى غنام الديكان، أجمل الأوبريتات والملاحم الغنائية الخالدة. مثل: ملحمة «قوافل الأيام» في عام 1981، وأوبريت «الزمن العربي» في سنة 1982 (يحكي عن الواقع العربي وظروفه ويجسد ارتباط الفن بواقع الوطن)، وأغنية «دفعها الله» في عام 1985 (أغنية خاصة بسلامة الشيخ جابر، رحمه الله، من حادث الاعتداء على حياته)، وملحمة «أنا الآتي» في عام 1982 (أرّخت للماضي وبطولاته وأمجاده ومسيرة أجياله نحو الآفاق لبناء مستقبل زاهر)، وملحمة «أهل الكويت» في عام 1992 (قُدمت في أول احتفال بالعيد الوطني بعد التحرير)، وملحمة «صدى التاريخ» في عام 1986 (مكونة من 24 لوحة فنية تحكي تاريخ الكويت قبل ظهور النفط)، وملحمة «حديث السور» في عام 1988 (تضمنت خمس لوحات رائعة وتشكيلة من الإيقاعات الكويتية المعروفة)، وملحمة «مواكب الوفاء» في عام 1990 (قُدمت في احتفالات وزارة التربية بالعيد الوطني بمشاركة 3 آلاف طالب وطالبة، وجسدت تقاليد الأعراس في 22 دولة عربية بأغانيها ورقصاتها وأزيائها الشعبية)، وأوبريت «عاشق الدار» في عام 1995 (قُدمت في حفل تكريم خريجات مركز الدراسات الموسيقية، وكانت تتويجاً وختاماً لتعاون العتيبي مع الديكان وشادي الخليج).

يقول العتيبي في «مواكب الوفاء» (كويت والعربُ، الأهلُ والنسبُ، كأنهم حولها العينُ والهدبُ، في ليلة العرسِ كويتنا تمسي، وقد تحنت لها بشائر الأنس). ويقول في «حديث السور» (كويت يا كويت، يا خطوة تجاسرت على المحال، كويت يا كويت، يا غاية بمثلها لم يحلم الخيال، يا ديرة المحبة والأهل والأحبة، يا شاطئ الحنان، يا ديرة الجدود، مفتوحة الحدود لطالب الأمان)، ويقول في «أنا الكويت» (أنا للرياح الجامحة لجامُ، وأنا بك من الصامدين حسام، أنا نهمة البحار في أهواله، أنا نخوة البدوي حين يُضام)، ويقول في «عاشق الدار» (سلمتك يا وطني أمري، وكتبت هواك على عمري، وتركت ممالك أشواقي، كي يسكن قلبك في صدري، ولأن سفائن أيامي، في غير بحارك لا تجري)، ويقول في «الزمن العربي» (إذا رأيت سماء لا يفارقها، دفء الشموس وإطلالة القمر، وإن عبرت حدوداً لا تبارحها، غنائم الحسن فترى حلوة الصور، قلادة الزمن الماضي ومبدؤه، يخضرّ شوقاً إليها سالف الزمن)، ويقول في قصيدة «طائر البشرى»، التي كتبها خلال فترة الغزو العراقي (بنصر بلادي جاءني طائر البشرى، فصارت ضلوعي للكويت ربابة، فجدد شوقي للغناء مرة أخرى، تترجم شوق الفارس للفرحة الكبرى، وصارت حروفي للكويت سنابلاً، إذا فاتها الإعصار من بعده قفرا).

قال عنه الأديب الكويتي الدكتور سليمان الشطي: «من حقه أن نحبه شاعراً، ولست وحدي المشغوف بشعره، فكلنا لمس صدق التعبير، وصفاء التناول، ودفء الوطنية في هذا الشعر الذي كرسه للوطن»، وأضاف: «قدم لنا في ديوانه (مزار الحلم) كلمة من نوع خاص، وهو شعر يزهو به، ويفاخر من يعرف مقدار الكلمة المتميزة المثقفة الأصيلة المعاصرة والفكرة المنيرة الهادية المبشرة، قدم هذا بالكلمة العربية في صورتها النقية والفصحى، فكانت مجاله الذي يُرضى عنه كل الرضى». والأديب الشطي هو القائل عنه أيضاً: «لقد عاش شاعرنا عبدالله العتيبي وهو يغني للكويت، ومات هو يحلم بها، إنه قيثارة الوطن بأشعاره الوطنية التي سوف تبقى خالدة خلود الكلمة الشعرية الوطنية، التي كانت نبراساً لنا في المحن، وسوف يبقى صداها في نفوسنا أبد الدهر». وقال عنه الفنان التشكيلي بدر القطامي، ما مفاده، أنه تعرف على العتيبي وهو طفل في فريج عليوة، درس معه في كتّاب الملّا صالح العدساني، وكان من الأوائل في حفظ القرآن الكريم، ثم عايشه خلال دراستهما في مصر في الستينات، فوجده «لطيف المعشر، كريم اليد، محباً للفنون بأشكالها، معطاء القلب، وكنت إذا رسمت عملاً أستشيره لكي أستفيد من رأيه في هذا العمل، وكان رحمه الله، يزودني بالآراء والتوجيهات الصائبة».

وكتب عنه الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة، في «الرأي» الأردنية (31/7/2015) فقال: «كان العتيبي عاشقاً لمجتمعه الذي التقت في نسيجه الثقافي مؤثرات البحر ومؤثرات الصحراء، بما يتجسد في هذين العالمين المتناقضين - والمتفاعلين في آن - من مميزات الرحابة المكانية كفضاء يتسع للخيال والإبداع، فكانت الصحراء فضاءً ملهماً لفنون ساكنيها وبعض أنماط تفكيرهم وحياتهم، ومصدر هواجسهم وتحدياتهم وفروسيتهم، كما كان البحر ميداناً لبحثهم الدائم وتأملهم وسفرهم وأناشيدهم وأغانيهم بقدر ما كان مصدراً مهماً لرزقهم اليومي وجسراً لتواصلهم الثقافي مع العالم. وكان العتيبي قد خبر الكثير من جوانب هذه الثقافة التاريخية، فتغنى بها ونظم لها درر القول، فلم ينقطع عنده حبل الشعر المجدول بقلمه المبدع وذاكرته العريضة ونفسه المفكرة، بل تجلى في صورة أغانٍ وقصائد طويلة ذات إيقاعات وموسيقى، حولتها حناجر المغنين وأوتار الملحنين إلى أناشيد تمجد الوطن، وقصص بطولة وحب للحياة».

المولد والنشأة والتعليم

وُلد الشاعر والأديب والأكاديمي الدكتور عبدالله محمد العتيبي بمدينة الكويت في عام 1942، ابناً لأسرة كريمة يعود نسبها إلى النّفَعَة من عتيبة من ذرية هجاج العتيبي، الذين وفدوا إلى الكويت من نجد في أوائل القرن العشرين وسكنوا المرقاب، طبقاً لما ورد في «منتدى تاريخ الكويت».

بدأ العتيبي تعليمه في الكتاتيب على يد الملّا محمد صالح العدساني في حي القبلة بجانب سوق الحدادة، فتعلم القراءة والكتابة وختم القرآن، ثم أكمل دراسته في المدارس النظامية حتى المرحلة الثانوية التي درسها بالمعهد الديني. سافر بعد ذلك إلى مصر لإكمال تعليمه الجامعي فالتحق بكلية دار العلوم التي منحته في عام 1970 ليسانس اللغة العربية وآدابها، ثم استكمل دراسته العليا بنفس الكلية لنيل درجة الماجستير فنالها في عام 1973 عن أطروحة بعنوان «شعر السلم في العصر الجاهلي». بقي العتيبي في القاهرة دارساً حتى سنة 1977، وهي السنة التي نال فيها درجة الدكتوراه بامتياز من كلية دار العلوم عن أطروحة بعنوان «الحرب والسلم في الشعر العربي من صدر الإسلام إلى نهاية العصر الأموي».

المسيرة المهنية والأكاديمية

بدأ مسيرته المهنية بالعمل في التدريس للمرحلة الثانوية، لكنه انتقل للسلك الأكاديمي بجامعة الكويت بعد عودته من رحلته الطويلة في مصر، حيث عمل أستاذاً مساعداً في قسم اللغة العربية وآدابها، وترأس قسم اللغة العربية، ثم أصبح عميداً مساعداً فعميداً لكلية الآداب بجامعة الكويت.

لم تمنعه انشغالاته الأكاديمية من العطاء والمساهمة في مجالات أخرى، فقد ساهم مساهمة فعالة في تأسيس «مركز التراث الشعبي لدول مجلس التعاون الخليجي» بالدوحة سنة 1982، كما شارك كعضو فعال في أعمال اللجنة العليا للمعاهد الفنية بدولة الكويت، وأعمال مجلس إدارة المعهد العالي للفنون الموسيقية، وأعمال المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. أما لجهة مساهماته الشعرية، فهي لم تقتصر على كتابة الأغاني الوطنية للمناسبات والأعياد الرسمية للدولة، وإنما كتب أيضاً القصيدة العاطفية، وإنْ كان مقلاً في هذا المجال. فهو مثلاً كاتب كلمات أغنية «حالي حال»، وهي أغنية رومانسية لحنها الموسيقار غنام الديكان، وأعادت الفنان شادي الخليج إلى الأضواء من بعد طول احتجاب وانقطاع، وهناك أغنية عاطفية أخرى أقدم بكثير كتبها العتيبي وغناها شادي الخليج في الستينات (حينما كان الأخير يدرس الموسيقى في مصر) من ألحان أحمد باقر، وهي أغنية «لا يا قلبي».

المثقف والإداري والشاعر

وأما لجهة المناصب التي تولاها، عدا مناصبه الأكاديمية التي ذكرناها آنفاً، فقد تولى رئاسة مجلس إدارة «المجلة العربية للدراسات الإنسانية» الصادرة عن جامعة الكويت، وكان أيضاً رئيساً لتحريرها، وتولى رئاسة تحرير مجلة «البيان» الصادرة عن رابطة الأدباء في الكويت، وكان عضواً في لجنتها الاستشارية، وشغل منصب الأمين العام لرابطة الأدباء، وشغل منذ فترة ما بعد التحرير وحتى وفاته منصب نائب رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الكويتية (كونا). إلى ما سبق، شارك العتيبي في الكثير من المؤتمرات والأنشطة الثقافية والأمسيات الشعرية داخل الكويت وخارجها، ومثّل الكويت في العديد من المهرجانات الشعرية والأسابيع الثقافية. ووسط كل هذه الأعباء والانشغالات، نجح العتيبي في إنجاز عدد من الأبحاث والدراسات في التراث والشعر الشعبي، ومنها: دراسة في فن «القلطة»، نشرتها مجلة البيان سنة 1981، دراسة نقدية بعنوان «الشعر الشعبي الكويتي وقضاياه الاجتماعية» نشرتها مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، دراسة نقدية بعنوان «أثر البحر في الشعر الشعبي الكويتي» نشرتها مجلة البيان سنة 1982، دراسة بعنوان «الأدب الشعبي في الكويت»، نشرتها جامعة الدول العربية بتونس سنة 1983. كما أنه أصدر ديوانين شعريين هما: «مزار الحلم» في 1989، و«طائر البشرى» في 1993. وثلاثة كتب هي: «شعر السلم في العصر الجاهلي»، و«دراسات في الشعر الشعبي الكويتي»، و«معجم الشعر الكويتي المعاصر»، إضافة إلى كتاب ألّفه بالاشتراك مع الأستاذ خالد سعود الزيد بعنوان «الشاعر عبدالله سنان.. دراسة ومختارات من شعره».

القصيدة الأخيرة وبقاء الأثر

في يوم الأحد الموافق 15 يناير 1994، رحل العتيبي إلى مثواه تاركاً خلفه أربعة أبناء (ولدان وابنتان) وتاريخاً ناصعاً كتاريخ وطنه الذي سكن مهجة قلبه ونافح عنه بأصدق القصائد وأجزل المعاني. وكانت وفاته في أحد مستشفيات لندن التي سافر إليها طلباً للعلاج من مرض عضال. فرثاه أهل الثقافة والفن والأدب والإعلام في الكويت اعترافاً بفضله، وشهادة منهم لحبهم له ومنزلته في قلوبهم.

ومثلما كان طوال حياته متميزاً بالعطاء الشعري الوطني، فقد حافظ على تلك الميزة وهو على فراش المرض، بدليل أنه كتب قبل وفاته بشهر قصيدة طويلة بعنوان «قال المعنى». وهو لئن أشار إلى أن «المعنى» هو مجرد مواطن كويتي يحكي سيرته الذاتية ومدى التصاقه بوطنه، إلا أن الحقيقة هي أن ذلك المواطن لم يكن سوى نفسه، التي أبت إلا أن تواصل مسيرتها الشعرية حتى الرمق الأخير.

ونختتم بالإشارة إلى صدور عدد من المؤلفات عن سيرة وأعمال العتيبي وأساليبه الشعرية، منها كتاب «عاشق الدار»، الذي أصدره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت في عام 2005، وتضمن بحثين كتبهما الدكتور حمد عبدالله الهباد والدكتور سالم عباس خذاذة، وملحقاً لنماذج من كتابات العتيبي الشعرية والنثرية، ومنها أيضاً كتاب «الدكتور عبدالله محمد العتيبي.. حضور متجدد» الذي أصدرته كلية الآداب بجامعة الكويت سنة 2014، من تأليف لجنة من الباحثين، واحتوى على أبحاث في نتاج العتيبي وشهادات وقصائد معبرة عن الحب والوفاء لذكراه العطرة.