الذكاء الاصطناعي وإرث سعد الصويّان: معركة بين التكنولوجيا والإبداع الإنساني
يثير مقال نشر في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم الاثنين 20 أبريل 2026 تساؤلاً جوهرياً: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكون سعد الصويّان؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام نقاش عميق حول حدود التكنولوجيا في مواجهة الإبداع البشري الفريد.
دور جامعة الملك سعود في إحياء التراث
لو لم تموّل وتدعم جامعة الملك سعود - من خلال مركز البحوث بكلية الآداب - مشروع الأستاذ الكبير سعد الصويّان منذ عام 1983 حتى 1990 لجمع الروايات والمأثورات والقصائد والحكايات من رجال البادية شمال نجد وبعض جنوبها، فهل كان لمشروع الدكتور سعد أن يرى النور؟ هذا المشروع العظيم متعدد الفروع كان وليد شغف شخصي من سعد الصويّان، ووعي بالمسؤولية العلمية الاجتماعية التاريخية من الصرح الأكاديمي الكبير.
لقد حفظ الدكتور سعد وفهم هذا التراث على أصوله، دون تشويه أو تعالٍ، بل باستبطان تام له. كما ذكر في حوار صحافي، نظم بعض القصائد ودخل في مزاجها وعملية تخلقها فقط ليعيش تجربة الشاعر النبطي القديم، مما يظهر عمق انغماسه في المادة التي كان يدرسها.
رحلة علمية استثنائية
وُلد سعد الصويّان في عنيزة بالقصيم عام 1944، وقضى 17 عاماً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث نال شهاداته العلمية، culminating في حصوله على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا والفلكلور والدراسات الشرقية من جامعة بيركلي عام 1982. نذر هذا الرجل نفسه لفهم الصحراء والواحات العربية وإنسانها، وتجسد ذلك في عمله الشخصي الأعظم "الصحراء العربية... شعرها وثقافتها عبر العصور: قراءة أنثروبولوجية" الذي صدر عام 2010.
كان الصويّان مؤسسة فردية قائمة بذاتها، لكنه آمن بالعمل المؤسسي الجماعي، كما تجلى في إشرافه على موسوعتي "الملك عبد العزيز في الوثائق الأجنبية" (20 مجلداً)، و"الثقافة التقليدية في السعودية" (13 مجلداً). كان آخر عمل مؤسسي له إشرافه على تأسيس "وحدة الذاكرة السعودية" التابعة لمركز الملك فيصل للأبحاث، التي حازت لاحقاً مكتبة الصويّان الثرية.
جمع التراث: رحلة كدح وعطاء
يحكي الصويّان عن كدحه في جمع مادته الميدانية منذ مطلع الثمانينات: "لأكثر من 25 سنة تجولت على قرى وهجر في الشمال، وذهبت إلى مقاطين البدو ومواردهم ومعي مسجل، وكلما وجدت شاعراً أو روائياً أو كبيراً في السن سجلت ما يقوله على شريط الكاسيت، وهكذا... حتى جمعت كماً هائلاً من المعلومات عن حياة البدو".
كان يتعامل مع هذه الحكايات والأشعار بعناية واحترام وجهد وشغف. كتب أحد تلاميذه، الأستاذ نايف آل نمرة، في صحيفة عكاظ أن الصويّان كان يردد: "الرواية الشفهية ليست نصاً فقط، بل مشهد اجتماعي، ونفس ثقافي، ولا يمكن تفريغها دون وعي بذلك".
الذكاء الاصطناعي والحدود التي لا يتخطاها
هذا الأستاذ الأساتيذ الذي دعمته جامعة الملك سعود باكراً، وصار مفخرة سعودية علمية عالمية، وأحد أبرز رموز العلوم الإنسانية، يبقى سؤال قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاجه مثار جدل. بينما تتطور التكنولوجيا بسرعة مذهلة، يظل العمل الإنساني القائم على الشغف العميق والانغماس الثقافي والتجربة الحية مجالاً يصعب على الآلات محاكاته بشكل كامل.
إرث الصويّان يمثل نموذجاً للعطاء الأكاديمي الذي يجمع بين الدقة العلمية والحس الإنساني، مما يجعله تحدياً حقيقياً لأي محاولة تقنية لاستنساخ مثل هذه التجارب الفريدة. دعم الجامعة المبكر لمشروعه لم يكن مجرد تمويل، بل كان إيماناً برؤية علمية تحفظ هوية وتوثق تراثاً يعد جزءاً أساسياً من الذاكرة الجمعية للمجتمع السعودي.



