الانتقال من استيراد المرجعيات إلى إنتاجها في التطوير المهني التعليمي
في مقال نشرته صحيفة عكاظ، يطرح أ.د. أحمد بن محمد الزائدي سؤالاً محورياً حول التطوير المهني التعليمي في المملكة العربية السعودية: متى ننتقل من استيراد المرجعيات إلى إنتاجها؟ ويشير إلى أن كل مرحلة من مراحل بناء الأمم تحمل سؤالها الكبير، ففي بدايات التحول كان السؤال المشروع هو كيفية الاستفادة من أفضل التجارب التعليمية العالمية. أما اليوم، وبعد أن بلغت المملكة مستوى متقدماً من النضج المؤسسي واستثمرت في جامعاتها وهيئاتها الوطنية ومراكزها البحثية، أصبح السؤال مختلفاً: متى ننتقل من استيراد المرجعيات إلى إنتاجها؟
التطوير المهني التعليمي كميدان للاختبار
يرى الكاتب أن التطوير المهني التعليمي هو الميدان الأكثر ملاءمة لاختبار هذا التحول، فهو نقطة الالتقاء التي تجتمع عندها الجامعات، وهيئة تقويم التعليم والتدريب، والسياسات التعليمية، والمدرسة والمعلم. بناء مرجعية وطنية في هذا المجال لا يعني تطوير برامج التنمية المهنية فحسب، بل تأسيس نموذج سعودي لإنتاج المعرفة المهنية، تكون الشراكات إحدى أدواته، لا ما يحدد اتجاهه.
تحديات المشهد الحالي والمرجعيات المتعددة
يثير المشهد الحالي سؤالاً مشروعاً، فالخطاب المؤسسي يتحدث عن منظومة وطنية موحدة للتطوير المهني التعليمي، بينما تبدو بعض مسارات إعداد المعلم قبل الخدمة، وتطويره أثناء الخدمة، وإعداد القيادات المدرسية، مستندة إلى مرجعيات متعددة. وليس موضع النقاش جودة هذه التجارب، بل كيف تتحول هذه الخبرات المتنوعة إلى إطار مهني واحد يعبر عن التعليم السعودي؟
المرجعية الوطنية تقود الشراكات
يشير الزائدي إلى أن الدول التي أصبحت مرجعاً عالمياً في التعليم لم تبلغ مكانتها لأنها جمعت أكبر عدد من الشراكات، بل لأنها امتلكت أولاً مشروعاً وطنياً واضحاً، ثم جعلت كل شراكة تعمل في خدمته. المرجعية الوطنية هي التي تقود الشراكات، لا العكس. وعندما يختل هذا الترتيب، يصبح خطر تباين الفلسفات المهنية أكبر من الفائدة المتوقعة من تنوع الشراكات.
دور المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي
يقود ذلك إلى سؤال جوهري: من يصوغ الإطار المهني الذي تنتظم داخله هذه المسارات؟ الإجابة عن هذا السؤال تحدد القيمة الإستراتيجية للمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي. فالمعهد لا تُقاس أهميته بعدد المبادرات التي يديرها، ولا بعدد الاتفاقيات التي يبرمها، وإنما بقدرته على بناء نسق مهني وطني يربط إعداد المعلم، والتطوير المهني التعليمي، والقيادة المدرسية، والترخيص المهني، والتقويم داخل رؤية واحدة تنطلق من احتياجات التعليم السعودي وتطلعاته.
الحوكمة وقياس الأثر
بناء هذا الإطار لا يكتمل إلا بحوكمة دقيقة تميز بين من يصوغ التوجهات، ومن يتولى التنفيذ، ومن يقيس النتائج. فاختلاط هذه الوظائف يضعف المساءلة. وجود شركة تطوير كذراع تنفيذية لإدارة البرامج والشراكات يعد ممارسة تنظيمية طبيعية، ما دامت لا تحل محل الجهة التي تبني الإطار الوطني أو الجهة التي تقيس أثره. كما يضطلع مجلس أمناء المعهد بحماية الاتجاه الإستراتيجي، ومراجعة اتساق المبادرات، وضمان بقائها في خدمة المشروع الوطني.
قياس الجدوى الاقتصادية للشراكات
تتطرق المقالة إلى سؤال يغيب عن كثير من النقاشات: من يقيس الجدوى الاقتصادية لهذه الشراكات؟ كل اتفاقية تمثل استثماراً مالياً وبشرياً وزمنياً، ولا يكفي للحكم عليها أن تكون قد نُفذت وفق الخطة، أو أن تختتم بتقرير يعلن نجاحها. فالمعيار الحقيقي لا يبدأ إلا بعد انتهاء التنفيذ. من يقيس العائد على الاستثمار؟ ومن يقارن بين البدائل المتاحة؟ ومن يتحقق من أن ما تحقق في المدرسة يوازي حجم ما أُنفق؟ وهل تتولى جهة مستقلة هذا القياس؟
بناء المرجعيات الوطنية من الواقع الوطني
لا تُبنى المرجعيات الوطنية باستيراد الخبرات أو تجميعها، وإنما بإنتاج المعرفة المهنية انطلاقاً من الواقع الوطني. توفر نتائج الرخص المهنية، والاختبارات الوطنية والدولية، والتقويم المدرسي، بما تختزنه من بيانات ومؤشرات متراكمة، قاعدة معرفية وطنية غير مسبوقة، ينبغي أن تكون منطلقاً لصياغة المرجعيات المهنية، لا مجرد أداة لقياس الأداء. وعندها تصبح الشراكات الدولية وسيلةً لإثراء المرجعية السعودية، لا مصدراً لها، وتتحول الخبرة الوطنية من معرفة متفرقة في الأفراد إلى رأس مال معرفي مؤسسي يتراكم ويقود التطوير.
المدرسة كميدان للاختبار
تبقى المدرسة الميدان الذي تُختبر فيه جميع هذه السياسات. ففيها تلتقي مخرجات إعداد المعلم، والتطوير المهني التعليمي، والقيادة المدرسية، والتقويم، في الممارسات التعليمية اليومية. لا يستقيم أن يُعد المعلم وفق مرجعية، ويُطور وفق مرجعية أخرى، وتُدار مدرسته وفق تصور مختلف، ثم يُطلب منه أن يحقق نتائج أفضل. المعلم ليس حقلًا لتجريب المرجعيات، بل نقطة الالتقاء التي ينبغي أن تتوحد عندها جميع السياسات، لأن اتساقها هو الشرط الأول لاتساق الممارسة التعليمية.
الانتقال إلى إنتاج المعرفة الوطنية
لقد بلغت المملكة مرحلة تؤهلها للانتقال من الاستفادة من الخبرات العالمية إلى بناء خبرتها الوطنية في التطوير المهني التعليمي. ولم يعد التحدي في استقطاب شريك دولي جديد، بل في امتلاك القدرة المؤسسية على قيادة الشراكات، وتوجيهها داخل إطار وطني واضح، وتحويلها إلى معرفة مؤسسية متراكمة داخل المنظومة، تبقى بعد انتهاء البرامج والعقود. الأمم لا تصنع مكانتها بما تستورده من المرجعيات، بل بما تنتجه من معرفة لتصبح مرجعاً لغيرها. وقد آن الأوان أن ينتقل التطوير المهني التعليمي في المملكة من استيراد المرجعيات إلى إنتاجها، ومن إدارة البرامج إلى بناء الأطر الوطنية، ومن قياس النشاط إلى قياس الأثر. فهذه ليست مجرد مرحلة جديدة في تطوير التعليم، بل مرحلة جديدة في بناء المعرفة الوطنية، لتصبح المرجعية السعودية إضافةً أصيلة إلى المعرفة التربوية العالمية، لا نسخةً منها.



