يصل طالب أو طالبة إلى نهاية المرحلة الابتدائية وهو لا يقرأ بطلاقة، أو يكتب فقرة مليئة بالأخطاء، أو يعجز عن التعبير عن فكرة بسيطة بلغة سليمة. هذا ليس مجرد مشكلة فردية، بل هو مؤشر على خلل في النظام التعليمي يستوجب وقفة جادة. فالتراجع الملحوظ في مهارات القراءة والكتابة ليس حالة نادرة، بل بات واقعاً ملموساً في الميدان التربوي، يعرفه المعلمون ويلمسه أولياء الأمور، وتستقبل الجامعات آثاره، وسيدفع سوق العمل ثمنه لاحقاً.
اللغة العربية خسرت هويتها كمهارات متكاملة
بحسب منى عبد المحسن العيبان، المتخصصة في اللغة العربية وذات الخبرة الطويلة في تدريسها، فإن اللغة العربية فقدت كثيراً حين تحولت من مجموعة مهارات متكاملة، لكل منها وقتها وأهميتها، إلى منهج واحد يحاول فعل كل شيء في وقت لا يكفي لشيء. ففي السابق، كان الخط درساً يربي الصبر والدقة، والإملاء تدريباً يومياً يبني الثقة في الكتابة، والقراءة مشروعاً متدرجاً لبناء قارئ، والتعبير مساحة لتعلم التفكير وترتيب الأفكار. أما اليوم، فقد ازدحمت المهارات داخل كتاب واحد، وضاق الزمن عنها جميعاً، مما أدى إلى خروج مهارات أساسية من الصفوف الأولى دون إتقان، وعندما يضعف الأساس، يضعف البناء كله.
اللغة أداة التعلم الأساسية
اللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية، بل هي الأداة التي يتعلم بها الطالب جميع المواد الأخرى. فإذا تعطلت هذه الأداة، تعطل ما بعدها. فالطالب الذي لا يقرأ جيداً لن يفهم جيداً، والذي لا يكتب جيداً لن يعبر عن نفسه، والذي لا يمتلك لغة قوية لن يمتلك أدوات التعلم اللازمة في أي تخصص. لذلك، فإن التعامل مع ضعف القراءة والكتابة كمسؤولية فردية للمعلم أو الطالب أو الأسرة هو خطأ كبير؛ فالقضية أكبر من ذلك، فهي قضية منهج وأولويات وفلسفة تعليمية وقرار من جهة أعلى.
الحل في إعادة هيكلة المناهج
المطلوب ليس حشو الطلاب بمعلومات أكثر، بل منحهم وقتاً أطول لإتقان المهارات الأساسية. فاللغة لا تكتسب بسرعة، ولا تبنيها المشروعات والأنشطة وحدها، بل تحتاج إلى ممارسة يومية، وتكرار، وتقويم مستمر، وتدرج يحترم طبيعة التعلم. آن الأوان لطرح سؤال جوهري: هل حققت طريقة تقديم اللغة العربية اليوم النتائج المرجوة؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا نخشى المراجعة؟ مراجعة المناهج ليست اعترافاً بالفشل، بل احترام للنتائج، والقرارات التربوية لا تقاس بحسن النوايا، بل بما تصنعه في عقول الطلاب.
دعوة لإعادة شخصية اللغة العربية
تدعو الكاتبة إلى إعادة اللغة العربية إلى شخصيتها، بإعادة مكانة الخط، وحضور الإملاء، ومساحة التعبير، وزمن القراءة، وتدريب الكتابة. ليس بهدف استنساخ الماضي، بل لضمان مستقبل يتخرج فيه الطالب والطالبة وهم يمتلكون أول حق من حقوقهم التعليمية: أن يقرؤوا، وأن يكتبوا، وأن يفكروا بلغتهم بثقة واقتدار. فكل إصلاح تعليمي يبدأ من اللغة، وكل تعثر فيها يمتد أثره إلى كل مادة، وكل جامعة، وكل مهنة، وكل مستقبل. وليس المؤلم أن يخطئ الطفل في القراءة، بل المؤلم أن نعتاد هذا الخطأ حتى يصبح طبيعياً.



