أزمة العلوم الإنسانية في التعليم: هل نستعد لجيل من الجهل؟
من حينٍ لآخر، يُثار سؤال أزمة التعليم في العالم العربي، وما هي استراتيجية الدولة في رسم أهداف المخرجات التعليمية، وما موقع العلوم التطبيقية والطبيعية بموازاة العلوم الإنسانية مثل علم النفس والاجتماع والتاريخ والأدب والأنثروبولوجيا؟ هذا الجدل يتجدد مع أخبار متداولة عن إلغاء أقسام التاريخ والتربية في بعض الجامعات، مما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الفكر والهوية المجتمعية.
الجدل الدائر: بين مؤيد ومعارض
قبل أيام، ثار هذا الجدل في السعودية إثر أخبار عن إلغاء تخصصات العلوم الإنسانية في بعض الجامعات. المؤيدون للإلغاء يجتمعون حول حجة أن سوق العمل لا يحتاج هذه التخصصات النظرية، ويرونها فلسفات زائدة. في المقابل، المعارضون يقولون إن إلغاء هذه العلوم يعني إضعافاً للفكر والتربية العقلية النقدية، وتعميم السطحية في المجتمع.
ظاهرة عالمية: ليست خاصة بالعالم العربي
هذا الجدل ليس جديداً ولا خاصاً بالحالة السعودية. في مصر، دعا الرئيس السيسي قبل فترة إلى إلغاء التخصصات التي لا لزمة لها، والنظر فقط لحاجة سوق العمل. المشكلة مضاعفة في العالم العربي، حتى في أعرق الصروح مثل الجامعة الأميركية ببيروت، حيث أشار بشار حيدر أستاذ الفلسفة إلى أن نسبة شهادات البكالوريوس في التاريخ كانت صفراً تقريباً في عام 2018، مقارنة بـ 9% في جامعة هارفارد الأميركية.
تأثير ضعف العلوم الإنسانية على المجتمع
ضعف العلوم الإنسانية يعني تقديم متخصصين تقنيين جزئيين في الشأن العام، وتراجع التفكير النظري المتعمق. هذا النوع من التفكير هو وحده – وليس الطب أو الهندسة أو علوم البرمجة – من يكشف واقع المجتمع وكيفيات تشكّل الهوية وتحديد معالمها. على سبيل المثال، هل سيكون الطبيب أو المهندس هو من يخبرك من أنت ومن أين أتيت وإلى أين تذهب؟ هذا السؤال يخص المجتمعات وليس الأفراد فقط.
أمثلة واقعية: قادة من خلفيات تقنية
جل قادة جماعة الإخوان المسلمين، على سبيل المثال، هم من المهندسين والأطباء والمحاسبين، وليس من علماء التاريخ والاجتماع. هذا لا يعني عدم وجود من انخرط معهم من أصحاب هذه التخصصات، لكن الحديث عن الأغلبية. هذا يسلط الضوء على كيف يمكن أن تؤثر الخلفيات التعليمية على التوجهات الفكرية والاجتماعية.
الحلول المقترحة: تطوير وربط بالتكنولوجيا
ما هو الحل؟ أولاً، تطوير هذه التخصصات ورفض تحويلها إلى مصرف للضعفاء من الطلبة الذين لم يجدوا قبولاً في كليات الطب والهندسة. ثانياً، رعاية صناديق خيرية ووقفيات داعمة، مؤمنة بقيمة وجوهرية هذه العلوم. ثالثاً، ربط هذه العلوم بالتطورات التكنولوجية الموجودة وعدم الغياب عنها، لضمان بقائها ذات صلة في عصر الرقمنة.
خاتمة: تحذير من مستقبل مظلم
بدون هذه الإجراءات، قد نستعد لأجيال مغرقة في الفراغ والعنجهية، حيث يغيب الفكر النقدي العميق. هذا الجدل ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل هو قضية مصيرية تتعلق بمستقبل المجتمعات العربية وهويتها الثقافية. يجب أن نعمل على توازن بين العلوم التطبيقية والإنسانية لبناء جيل متكامل قادر على مواجهة تحديات العصر.



