قرارات جامعة الملك سعود تحت مجهر النقد الأكاديمي
تثير القرارات الأخيرة التي أصدرتها جامعة الملك سعود جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والثقافية، حيث تباينت الآراء بين التأييد والتأكيد من جهة، والنقد والتحليل من جهة أخرى. وقد تحولت مساحة الرأي إلى ساحة للجدال والنقاش الحاد، في وقت تظهر فيه الجامعة موقف المتفرج من خلال بيانات متأخرة اتسمت بالتعميم والتعتيم، مما دفع الخبراء إلى تقييم هذه القرارات بدقة تصل إلى مستوى اللغة والمفردات المستخدمة.
فجوة تاريخية بين التخصصات وسوق العمل
تشير الوقائع إلى أن تخصصات مثل التاريخ والجغرافيا وعلم النفس وعلم الاجتماع، بالإضافة إلى تخصصات الزراعة والأغذية وعلم الحيوان، ظلت خارج حسابات التعيين لأكثر من عقدين من الزمن. وتستقبل جامعة الملك سعود وغيرها من الجامعات آلاف الخريجين سنوياً في هذه التخصصات، بينما يمتد عدم الاحتياج إلى بعض التخصصات العلمية الأخرى بل ويصل إلى مجالات طبية محددة. هذا الوضع يكشف عن خلل هيكلي عميق بين استقبال الطلاب الجامعيين وتخريج أعداد متزايدة من العاطلين عن العمل.
لطالما نادت الأصوات الناقدة بضرورة تطوير التخصصات الأكاديمية وإعادة النظر في المناهج الدراسية، مع التأكيد على أهمية وجود تخطيط مؤسسي واستراتيجي يوجه الخريجين القدامى نحو فرص تعيين جديدة، ويوفر سبل مبتكرة للقادمين من الثانويات العامة. ويجب أن يتم ذلك مع الحفاظ على وجود العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تمثل هوية الوطن وتشكل مقام المجتمع.
انشغال الجامعات بالمظاهر على حساب الجوهر
في السنوات الأخيرة، انشغلت الجامعات السعودية بمطاردة طيف التصنيف العالمي، معتمدة على مؤشرات بحثية ومشاركات عالمية، بينما ظلت الكليات والعمادات منشغلة بترقية أعضاء هيئة التدريس إلى درجات الأستاذ المشارك والبروفيسور. وتحولت مراكز البحوث والمجلات العلمية إلى مساحات لترقية الأساتذة، في حين بقي الطلاب عالقين في جمود التخصصات، متجهين نحو مستقبل غامض وسط معطيات واقعية تشير إلى صعوبات التعيين وتأخر التوظيف.
واستمرت جامعاتنا الموقرة في انشغال هامشي بالأنشطة والفعاليات والزيارات، مع التركيز على تقارير سنوية مليئة بالأرقام والإحصائيات التي تملأ أرفف المكاتب، بينما ركز القياديون في الجامعات على البيانات والإشادة بإنجازات الطلاب المبتعثين أو الأساتذة الحاصلين على جوائز عالمية. وفي المقابل، ظلت المناهج والمقررات الدراسية كما هي لسنوات طويلة، مع غياب ملحوظ عن التطوير المفترض، بل إن بعض الجامعات اتجهت إلى البحث عن إيرادات جانبية من خلال برامج دبلومات مؤقتة برسوم عالية، مما يضيف أعداداً جديدة إلى صفوف العاطلين.
تساؤلات جوهرية حول توجيه التخصصات
يطرح النقاش تساؤلات جوهرية: هل درست جامعة الملك سعود ومثيلاتها من الجامعات سوق العمل بعناية كافية؟ وهل بذلت جهداً حقيقياً للبحث عن أسباب البطالة بين الخريجين؟ وهل عقدت اجتماعات فعلية وأبرمت شراكات استراتيجية مع الوزارات والهيئات المعنية لبحث الاحتياجات الفعلية وتقليص أعداد القبول دون إلغائه، والبحث في اتجاهات متجددة للتخصصات المهنية والوطنية؟
كما يتساءل المتابعون: لماذا لم تتجه جامعة الملك سعود إلى فتح تخصصات دقيقة يحتاجها سوق العمل تحت مظلة العلوم الإنسانية، مثل مجالات جديدة في علم الاجتماع الجنائي والتاريخي والطبي؟ ولماذا أوقفت الجامعة برامج كليات الزراعة وعلوم الأغذية في وقت يشهد الوطن مشاريع كبرى في مكافحة التصحر وتنمية الغطاء النباتي والنواحي البيئية؟ وهل غفلت الجامعة عن الحاجة الماسة لمتخصصين في مجال الغذاء الذي لا يزال يعتمد على الكوادر الأجنبية؟
إن هذه القرارات قد دخلت حيز التنفيذ، ولكن تداعياتها ستظل موضوع انتظار ومراقبة، والعبرة في النهاية ستكون بالنتائج الملموسة على أرض الواقع، والتي ستحدد مدى نجاح هذه السياسات الأكاديمية في معالجة التحديات القائمة.



