جدل قراءة التراث بين الجابري وطه عبد الرحمن: قطيعة منهجية أم تكامل معرفي؟
جدل قراءة التراث بين الجابري وطه عبد الرحمن

جدل قراءة التراث بين الجابري وطه عبد الرحمن: قطيعة منهجية أم تكامل معرفي؟

تشكل قراءة التراث في الفكر العربي المعاصر اختبارًا عميقًا لقدرة العقل العربي على تحديد موقعه بين زمنين متقاطعين: زمن الماضي الذي يسكنه ولا يستطيع الانفكاك عنه، وزمن المستقبل الذي يطمح إليه دون امتلاك مفاتيحه الكاملة. ومن بين المحاولات الفكرية البارزة في هذا المجال، تبرز قراءتا المفكرين الكبيرين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن، حيث يمثلان نموذجين متقابلين في المنهج ومتكاملين في الإشكاليات المطروحة.

مشروع الجابري: القطيعة النقدية لإعادة بناء العقل

يقدم محمد عابد الجابري رؤية للتراث لا تعتبره مجرد كتلة جامدة من النصوص أو ميراثًا ثقافيًا يُستعاد للاعتزاز، بل يراه بنية معرفية متغلغلة في الوعي العربي، تشكل طريقة التفكير قبل أن تشكل موضوع التفكير نفسه. لم يكن هم الجابري قراءة التراث كما قرأه الأسلاف، بل إعادة مساءلة العقل الذي أنتجه، معتبرًا أن الأزمة الحقيقية تكمن في الآليات التي حولت النصوص التراثية إلى سلطة غير مرئية تتحكم في الحاضر.

يؤسس الجابري مشروعه النقدي على أدوات مستمدة من حقول معرفية حديثة مثل الإبستمولوجيا والتحليل البنيوي والتاريخي، معتبرًا أن التراث لا يمكن فهمه بآلياته الداخلية وحدها. وتظهر هنا فكرة القطيعة المنهجية التي دعا إليها، والتي ليست دعوة إلى هجر التراث أو التنكر له، بل قطع مع الطريقة التقليدية في فهمه التي تعيد إنتاجه بوصفه يقينًا غير قابل للمراجعة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كان اختيار الجابري للفكر الرشدي تعبيرًا عن بحثه داخل التراث عن لحظة عقلانية يمكن استئنافها، لحظة استطاعت أن تفصل بين البرهان والقياس، وبين الفلسفة والجدل. وكأن الجابري يريد إعادة ترتيب طبقات التراث ليجعل ما فيه من عقلانية في الواجهة، وما فيه من تقليد في موقع المراجعة والنقد.

رؤية طه عبد الرحمن: التكامل والانتماء كأساس للتجديد

يقف طه عبد الرحمن في الجهة الأخرى من سؤال قراءة التراث، لا ليهدم مشروع الجابري، بل ليعيد صياغة منطلقاته من أساسها. فهو لا ينكر الحاجة إلى تجديد النظر في التراث، لكنه يرفض أن يتم ذلك من موقع خارجي، معتبرًا أن التراث جزء من تكوين الذات الوجداني والمعرفي، وأن أي قراءة لا تنطلق من هذا الانتماء العميق تظل ناقصة مهما بلغت دقتها المنهجية.

تتأسس قراءة طه عبد الرحمن على فكرة التواصل لا الانفصال، وعلى التكامل لا الإقصاء، حيث يرى أن التراث ليس مجرد مضامين فكرية، بل هو أيضًا آليات إنتاج للمعنى. ولهذا يدعو إلى العناية بالبنية الداخلية للنص التراثي، لا الاكتفاء بإسقاط مفاهيم جاهزة عليه.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إذا كان الجابري قد استند إلى الإبستمولوجيا لبناء مشروعه النقدي، فإن طه عبد الرحمن لا يرفض الاستفادة من المناهج الحديثة، لكنه يشترط أن تمر عبر عملية تنقيح وتلقيح داخل المجال التداولي العربي الإسلامي. ويطرح هنا مفهوم المقاربة التكاملية التي ترى التراث مجالًا لتفاعل المعارف وتداخلها، حيث يصبح التجديد فعلًا ينبع من الداخل لا نتيجة إسقاط خارجي.

التوتر الخلاق بين المسارين: نحو عقل عربي متجدد

يكشف الخلاف بين الجابري وطه عبد الرحمن أنه ليس خلافًا حول قيمة التراث، فكلاهما يقر بأهميته، بل هو خلاف حول كيفية التعامل معه: هل نحرر أنفسنا منه لنفهمه، أم ننخرط فيه لنجدد فهمه؟ هل نبدأ من العقل لنحاكم التراث، أم نبدأ من التراث لنؤسس العقل؟

يتكثف في هذا السؤال جوهر الإشكال الفكري العربي المعاصر، حيث يعكس توترًا عميقًا في الوعي العربي بين الرغبة في التحديث والحاجة إلى الحفاظ على الجذور. غير أن التأمل في المشروعين يكشف أن هذا التوتر ليس عيبًا، بل هو شرط من شروط الحيوية الفكرية.

التراث الذي لا يُنقد يتحول إلى عبء، والحداثة التي لا تستند إلى ذاكرة تتحول إلى فراغ. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للمسارين لا تكمن في ترجيح أحدهما على الآخر، بل في إبقاء الحوار بينهما مفتوحًا، لأن هذا الحوار هو الذي يمنح الفكر العربي قدرته على الحركة بين الماضي والحاضر.

يجب أن يكون الهدف النهائي بناء معنى جديد للذات العربية، معنى لا يكتفي بأن يكون امتدادًا لما كان، ولا قطيعةً معه، بل تركيبًا واعيًا بينهما، حيث يصبح التراث مادة للفهم لا سلطةً على الفهم، وتصبح الحداثة أفقًا للإبداع لا نموذجًا يُستنسخ.