صحف بريطانية تكشف تحولاً تاريخياً في مواقف المحافظين الجدد من الحروب بالشرق الأوسط
تناولت الصحف البريطانية الرئيسية في مقالاتها تحليلات معمقة لقضية إيران والحرب في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الأحداث المتعلقة بالصراع الدائر في المنطقة، مع التركيز أيضاً على الحرب الأهلية المستمرة في السودان. وجاء هذا الاهتمام بعد عقد مؤتمر دولي في برلين للتعامل مع تداعيات الصراع في البلد الأفريقي، مما سلط الضوء على تعقيدات المشهد الجيوسياسي الحالي.
نقد صريح للحروب الأمريكية في مقال الغارديان
في صحيفة الغارديان، كتب الكاتب أوين جونز مقالاً ناقداً بعنوان "حتى المحافظون الجدد انقلبوا ضد الحروب في الشرق الأوسط"، مشيراً إلى أن الملايين لقوا حتفهم نتيجة للمغامرات العسكرية الكارثية التي قادتها الولايات المتحدة على مدى العقود الماضية. وأعرب جونز عن استيائه من عدم وجود عواقب حقيقية للذين دافعوا عن هذه الحروب لفترات طويلة، رغم العواقب الوخيمة التي ترتبت عليها.
استند الكاتب في نقاشه إلى مقال للكاتب الأمريكي روبرت كاغان، الذي يُوصف بأنه أحد عرابي تيار المحافظين الجدد. حيث رأى كاغان في مقاله أن خطر الإرهاب القادم من الشرق الأوسط كان نتيجة مباشرة للتدخل الأمريكي المكثف، وانتقد بشدة انخراط الولايات المتحدة بعمق وبشكل مستمر في العالم الإسلامي منذ أربعينيات القرن الماضي.
واعتبر جونز أن حديث كاغان أصبح "منطقياً" بعد ربع قرن من الحروب الأمريكية التي وصفها بالكارثية، لكنه استذكر دفاع كاغان السابق بحماس عن المغامرات العسكرية في ذروة عصر التفوق الأمريكي، وتأييده الصريح لحرب العراق. ورأى أن تحول كاغان من القول بأن غزو العراق سيحدث أثراً هائلاً نحو الأفضل، إلى الاعتراف بأن التدخل الأمريكي غذى العنف، ليس بالأمر الفريد، بل ينضم إلى نخبة من السياسيين وصناع القرار والمحللين الغربيين الذين أدركوا مخاطر التدخل الغربي، ولكن بعد فوات الأوان بعقود.
استحضار مواقف سياسية سابقة وندم متأخر
واستذكر جونز في مقاله حديث وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون عن حرب العراق، حيث قالت: "لو كنت أعرف ما نعرفه الآن، لما صوّتت لصالحها أبداً"، كما وصف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الفوضى التي أعقبت الحرب في ليبيا بأنها "أسوأ خطأ ارتكبه". وكذلك تطرق إلى حالة الكاتب البريطاني الأمريكي أندرو سوليفان، الذي حرض على غزو العراق، ثم جمع كتاباته لاحقاً في كتاب بعنوان "كنت مخطئاً"، في اعتراف صريح بالأخطاء.
في المقابل، أشار الكاتب إلى مواقف فئة لم تتراجع عن رأيها، ومنها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الذي دعم غزو العراق، عندما قال مؤخراً إن بلاده "كان عليها أن تدعم الولايات المتحدة منذ البداية" في حرب إيران. وعلق جونز قائلاً: "لا يوجد حتى اعتذار، أخطأ دعاة الحرب في القرن الحادي والعشرين في كل شيء"، معتبراً أن أخطاءهم جرى قياسها بالموت والدمار والفوضى في العراق وأفغانستان وليبيا، والآن إيران.
تأثير الحروب على الرأي العام الأمريكي وغياب المحاسبة
ورأى أيضاً أن الشعب الأمريكي تعلم الدرس بطريقة قاسية رغم غياب محاسبة للنخب، بعد أن حظيت حروب فيتنام والعراق وأفغانستان وليبيا بتأييد الأغلبية عند اندلاعها، فيما كانت حرب إيران هي الأولى التي لم تحظَ بموافقة شعبية منذ البداية. ونادى الكاتب بضرورة المحاسبة، وقال إن "الحروب والإبادة الجماعية وتنامي الاستبداد" تُخيّم على المشهد، مضيفاً: "ما لم نفهم كيف وصلنا إلى هذه الحال، فمن غير المرجح أن نصل إلى وضع أفضل".
صراع كلامي بين البابا والرئيس الأمريكي في الأوبزرفر
وليس ببعيد عن أجواء الحرب في الشرق الأوسط، كتبت إيريكا فاغنر في صحيفة الأوبزرفر مقالاً بعنوان "البابا ضد رئيس الولايات المتحدة: حرب كلامية بين البابا لاون الرابع عشر وترامب لها منتصر واضح". حيث نشر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب صورة يعتقد على نطاق واسع أنها مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تظهره في هيئة شبيهة بالمسيح وهو "يشفي" رجلاً، في خطوة أثارت انتقادات من رجال دين ومعلقين، قبل أن تُحذف لاحقاً.
ورأت فاغنر أن خوض البابا في الشؤون السياسية ليس مجرد نزوة من بابا صريح، بل "دليل على أن الفاتيكان تعلم من أخطاء الماضي. ليت الأمر نفسه ينطبق على الرئيس". واستندت الكاتبة إلى حديث ديارميد ماكولوتش، الأستاذ الفخري لتاريخ الكنيسة في جامعة أكسفورد، الذي انتقد ترامب بشدة، ورأى أنه يثور غضباً ضد أي شيء يعتبر مسيئاً لأناه.
ورأت الكاتبة أن سلوك ترامب "ينهي فعلياً الهيمنة الأمريكية على العالم"، كما يشير ماكولوتش، قائلاً: "استمرت الهيمنة من عام 1945 حتى يومنا هذا، والآن أصبحت في حالة يرثى لها. تلاشت هيبة الولايات المتحدة التي لا تزال تمتلك ثروتها، ولكن كما رأينا للتو في المجر، فإن الثروة ليست دائماً مفتاح السلطة السياسية عندما تُجرى الانتخابات ويُدلي الشعب بصوته غاضباً".
تغطية التايمز للحرب الأهلية في السودان
وإلى صراع آخر، نشرت صحيفة التايمز مقالاً بعنوان "العالم لم يفعل شيئاً لإنهاء الحرب الأهلية الدموية في السودان". حيث وصفت الصحيفة الصراع في السودان بأنه الأكثر قسوة وتدميراً في العالم، قائلة: "لا أحد في السودان يتذكر زمن سلام"، فمنذ استقلال البلاد وهي تعاني من ويلات الانقلابات والقمع والديكتاتورية والصراعات الأهلية، وخصوصاً في دارفور وجنوب السودان.
وتسببت الحرب الدائرة في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي تدخل عامها الرابع، في انتشار الجوع ونزوح الملايين، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. ورأت الصحيفة أن السودان يمثل اختباراً حقيقياً لتطلعات الاتحاد الأفريقي في تعزيز السلام والاستقرار في القارة، وهو اختبار "فشل فيه الاتحاد فشلاً ذريعاً".
وتحدثت الصحيفة عن أثر تدخلات خارجية كانت تهدف إلى تحقيق مكاسب من مبيعات الأسلحة، ومكاسب سياسية، واستغلال احتياطيات السودان الهائلة من النفط والمعادن، على حد وصفها. وقالت إن هذه التدخلات "زادت الصراع تعقيداً"، مشيرة إلى تمويلات دولية منخفضة للتعامل مع الاحتياجات في السودان الذي يعاني من تفاقم الجوع بسرعة.
وختمت الصحيفة مقالها بالقول: "قد يكون العالم منشغلاً بإيران، لكنه بحاجة أيضاً إلى معالجة هذه الكارثة في أفريقيا"، مؤكدة على ضرورة الاهتمام الدولي بالصراع الإنساني المتفاقم في السودان.



