الشرق الأوسط على أعتاب عصر جديد: أمريكا تطلق مشروع «الناتو الاقتصادي» لتعزيز تحالفاتها
عُرف حلف الناتو تاريخياً بأنه تحالف عسكري أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة الخطر السوفيتي على أوروبا الغربية. ورغم عراقته وقيادة الولايات المتحدة الأمريكية له، إلا أن أحد أهم أسرار قوته يتمثل في الجانب الاقتصادي، حيث تشكل دوله أكثر من 40% من الناتج الإجمالي العالمي، وتمتلك أفضل التقنيات والصناعات في شتى المجالات.
من التحالف العسكري إلى التحول الاستراتيجي
لولا هذه القوة الاقتصادية والتقنية، لما تمكن الناتو من الوقوف بوجه الكتلة الشرقية التي شكلت حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي. كانت الفوارق بين الطرفين كبيرة اقتصادياً وصناعياً، خاصة في المجال العسكري، وكان عامل التوازن الوحيد هو امتلاك الطرفين للسلاح النووي. لكن الحرب تحتاج إلى سلاح لإشعالها، بينما يحتاج استمرارها إلى اقتصاد قوي، وهذا ما صنع الفارق لصالح الناتو في تفوقه السابق على حلف وارسو.
اليوم، نشهد تصدعاً في حلف الناتو وتلميحات أمريكية بالانسحاب منه، بعد 35 عاماً على تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية حلف وارسو عام 1991. فأمريكا أصبحت ترى في وجودها للدفاع عن أوروبا عبئاً اقتصادياً بدون فائدة تذكر لها، وأن الحلف أصبح مفيداً لأوروبا فقط، خاصة بعد اختفاء الخطر السابق الذي بموجبه وُجد الحلف.
إعادة صياغة التحالفات الأمريكية
أدت هذه الرؤية إلى أن تعيد الولايات المتحدة صياغة تحالفاتها وتوجهاتها الجديدة، والتي عبر عنها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بأنها «أقوى لإعادة تنظيم العالم». بدأت هذه التحولات تدريجياً من عهد الرئيس بيل كلينتون، حيث نُفذت في كل مرحلة خطوة باتجاه التغيير الذي أصبح ظاهراً بشكل كبير مع الرئيس ترمب.
تمثل ذلك في إطلاق خارطة أمريكا الشمالية الكبرى، والتغيير في حديقتها الخلفية مثل فنزويلا، والحديث عن تغييرات قادمة في كوبا، مما يعني أن المناطق التي كان للاشتراكية والشيوعية موطئ قدم فيها في قارة أمريكا قد انتهت.
التحرك الأبرز: الشرق الأوسط كمنطقة حيوية
أما التحرك الأبرز، فيبدو أنه سيكون في شرق آسيا مستقبلاً، حيث تم التأسيس لكي تكون دول المنطقة أغلبها في تحالف مع أمريكا ضد الصين، في ظل المنافسة الاقتصادية الشديدة بين واشنطن وبكين. لكن الوصول إلى هذا الهدف يبدو أنه كان سيصبح بناؤه ضعيفاً بدون أن تعود أمريكا لتعزز تحالفها مع الشرق الأوسط.
تعتبر منطقة الشرق الأوسط حيوية للصين لوجود الطاقة والمعادن فيها بكميات هائلة، بالإضافة إلى أسواق استهلاكية ضخمة. ومن هنا، يبدو أنه بعد أن تهدأ المنطقة باتفاقيات تزيح حقبة طويلة من الصراعات الجيوسياسية، ويعمم النموذج التنموي على العديد من دولها على غرار النموذج الذي بنته دول الخليج العربي الست.
النموذج التنموي الخليجي: محرك للتغيير
أصبحت دول الخليج تشكل قرابة 30% من الناتج الإجمالي لدول الشرق الأوسط، الذي يبلغ عدد دوله حوالي 18 دولة. لكن إذا وسعنا مفهوم حجمه، فإن العدد أكبر بكثير، حيث أطلقت أمريكا في عهد الرئيس جورج بوش الابن مصطلحاً جديداً يعرّف المنطقة بأنها تمتد من موريتانيا إلى باكستان.
من هنا، ترى أمريكا في إقامة علاقة استراتيجية اقتصادية وتجارية مع هذه الجغرافيا، التي تعد الأهم عالمياً، بديلاً مهماً لحقبة طويلة من علاقتها التجارية مع أوروبا، التي انتهت بأن يكون الميزان التجاري فيها لصالح أوروبا، فأصبحت المنفعة باتجاه واحد.
مشروع «الناتو الاقتصادي»: رؤية مستقبلية
قد لا يكون مستغرباً، بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإيرانية وعقد اتفاقية سلام دائم، وتغيير النهج السياسي لإيران وغيرها من الدول نحو التركيز على التنمية والشراكات الاقتصادية والتجارية، أن تطلق أمريكا مشروع «الناتو الاقتصادي» كاسم مجازي أو ما يشبهه.
أصبح هذا الرمز دليلاً على التحالفات القوية، على غرار مشروع مارشال الذي نفذته في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ليشكل لبنة تحالف أول من نوعه بعمقه الاقتصادي والتجاري. يهدف هذا المشروع إلى نقل الكثير من دول المنطقة، التي غابت عنها التنمية لعقود، إلى عهد جديد يستغل إمكانياتها ويحولها إلى عامل فاعل في شرق أوسط يضاهي أوروبا في تسارع تطوره وتنميته.
بهذه الرؤية، يبدو أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة تحول تاريخية، حيث تتحول الأولويات من الصراعات العسكرية إلى التنمية الاقتصادية، في إطار تحالفات جديدة تعيد رسم خريطة القوى العالمية.



