شهادة أمّ وحيد بني عامريان: جريمة مزدوجة من المشنقة إلى سرقة الجثمان
في لحظة تختزل وحشية نظام ولاية الفقيه في إيران بأبشع صورها، خرج صوت أمّ الشهيد وحيد بني عامريان ليقول ما تعجز عنه التقارير والبيانات الرسمية: "لقد أخذتم مني ابني، والآن لا تتركون حتى جثمانه". كلمات قصيرة لكنها تكشف طبقة إضافية من الجريمة المنظمة التي تمارسها السلطات الإيرانية ضد المعارضين وأسرهم.
من الإعدام إلى احتجاز الجثامين: سياسة عقابية ممنهجة
قبل أيام محدودة، أقدمت السلطات الإيرانية على إعدام وحيد بني عامريان وخمسة من رفاقه السجناء السياسيين المنتمين إلى منظمة مجاهدي خلق في سجن "قزل حصار"، في موجة إعدامات أثارت صدمة واسعة داخل إيران وخارجها. تقول الأمّ بمرارة: "صرختُ طوال 114 أسبوعًا: لا تقتلوه، لكنكم قتلتموه"، وهي جملة ليست مجرد مرثية بل شهادة حية على معركة طويلة خاضتها عائلات السجناء السياسيين ضد سياسة الإعدام كأداة حكم.
غير أن الجريمة لم تتوقف عند تنفيذ حكم الإعدام، بل امتدت إلى مرحلة ما بعد الموت. فوفقاً لتقارير متعددة ووثائق حقوقية:
- امتنعت السلطات الإيرانية عن تسليم جثامين ستة من الضحايا إلى عائلاتهم
- لم تقدم أي معلومات شفافة عن مكان الدفن أو الإجراءات المتخذة
- فتح الباب أمام احتمال الدفن السري وحرمان الأسر من أبسط حقوقها الإنسانية
العقوبة تمتد خارج أسوار السجن: تعذيب نفسي جماعي
هذا السلوك ليس تفصيلاً ثانوياً في سياسة النظام الإيراني، بل هو امتداد للعقوبة إلى خارج أسوار السجن، وشكل من أشكال التعذيب النفسي الجماعي الذي يطال العائلات بأكملها. حرمان العائلة من الجثمان غالباً ما يترافق مع تهديدات مباشرة لمنع إقامة مراسم تأبين أو تجمعات سلمية، مما يحوّل الفقدان الشخصي إلى أداة ضغط سياسي.
تساءلت الأمّ بمرارة: "هل عليّ أن أصرخ أيضًا: سلّموني جثمانه؟"، وهو سؤال موجه إلى منظومة كاملة تريد أن تقتل ثم تمنع حتى حق البكاء والحداد الطبيعي. هذا النمط يعيد إلى الأذهان سياسات قديمة في تصفية المعارضين ثم معاقبة أسرهم بالعتمة والتهديد المستمر.
ردود الفعل الدولية ودور المنظمات الحقوقية
إن احتجاجات الإيرانيين في الخارج ضد موجة الإعدامات الأخيرة، وما تثيره من اهتمام إعلامي وحقوقي متزايد، تكسر جزئياً هذا الحصار وتعيد القضية إلى واجهة الرأي العام العالمي. لكن العبء الأكبر يبقى على:
- المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان
- الهيئات واللجان الخاصة التابعة للأمم المتحدة
- الحكومات والبرلمانات في مختلف دول العالم
حيث يجب أن تطالب هذه الجهات بوقف فوري للإعدامات في إيران، والتحقيق في ظروفها، والإلحاح على كشف مصير الجثامين وتسليمها لأسرها، والمطالبة بمساءلة المسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة.
الذاكرة لا تموت: من الألم إلى المقاومة
تختم الأمّ شهادتها بعبارة تقطر غضباً وكرامة: "العار عليكم، نحن لن نغفر لكم". في هذه الجملة تتجسد الحقيقة التي يخشاها النظام الإيراني: أن الإعدام لا يطفئ الذاكرة، وأن حرمان الأمهات من جثامين أبنائهن لا يكسر إرادتهن، بل يحوّل الألم إلى شهادة حية، والحداد إلى إدانة صارخة، والصمت القسري إلى صرخة قد تصبح، مرة أخرى، بداية طريق أطول نحو تحقيق العدالة والحرية.
إن قضية وحيد بني عامريان ورفاقه ليست مجرد حادثة معزولة، بل هي نموذج صارخ لسياسة ممنهجة تمارسها السلطات الإيرانية ضد المعارضين، تبدأ بالمحاكمة غير العادلة وتنتهي بسرقة الجثمان وحرمان الأسرة من حقها الإنساني الأساسي في الوداع والدفن والعزاء.



