غياب التغيير في إيران: هل تضيع طهران فرصة السلام الإقليمي؟
يعكس الخلاف العميق بين المعتدلين والمتشددين داخل إيران بنيةً أعمق للصراع السياسي والاستراتيجي، حيث يتجاوز هذا الصراع حدود النقاش الداخلي ليشمل طبيعة علاقة النظام الإيراني بمحيطه الإقليمي والدولي. لم تعد القضية محصورة في سؤال ما إذا كانت الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران تشكل نهاية للحرب أم مجرد استراحة محارب، بل الأهم من ذلك هو التساؤل عن الخطوات التالية والمستقبل الذي ينتظر المنطقة.
صراع الرؤى بين الإصلاحيين والمحافظين
يضع المعتدلون في اهتمامهم مسألة بناء الثقة عبر خطوات متبادلة، بينما لا يعترف المتشددون بهذه المعادلة، ويفكرون فقط بمنطق القوة والانتصار. هذا التباين انعكس سابقاً في التعامل مع الاتفاق النووي عام 2015، حيث سعى المحافظون إلى تقويضه عبر سياسات إقليمية تصعيدية زادت من الشكوك تجاه نيات طهران.
يتكرر المشهد اليوم مع هيمنة التيار المحافظ على القرار السياسي، وسط قلق إقليمي متزايد من أي اتفاق محتمل مع واشنطن قد يتجاهل مصالح دول الخليج العربي، ولا يعالج جذور التوترات الراهنة في المنطقة.
محاولات النظام وإصرار الإصلاحيين
يحاول النظام الإيراني إظهار وحدة داخلية في الخطاب السياسي، لكن أصوات الإصلاحيين لا تتوقف عن إبداء قلقها من غياب إجابات واضحة عن سؤال المستقبل. طلب السياسي الإصلاحي وزير الخارجية الأسبق جواد ظريف من فريق التفاوض الإيراني إبرام اتفاقٍ ما دام ذلك ممكناً، بينما يرى المحافظ المتشدد حسين شريعتمداري أن المقترحات الإيرانية تخدم واشنطن أكثر مما تخدم طهران.
يعتقد شريعتمداري أن استبعاد إسرائيل وبعض الدول العربية من المفاوضات يبقي باب الضربات العسكرية مفتوحاً من جانب حلفاء الولايات المتحدة، مما يعني أن المتشددين يسعون للحصول على كل شيء دون تنازلات.
فشل المفاوضات وإدراك الواقعية
يفسر هذا الموقف جانباً من أسباب فشل مفاوضات الهدنة في جولتها الأولى بضيافة باكستان. في المقابل، يبدو الإصلاحيون أكثر إدراكاً لواقعية محيط إيران الإقليمي؛ إذ يخشون من الاكتفاء بمكاسب مالية موقتة مقابل إيقاف الحرب وفتح مضيق هرمز.
بدلاً من ذلك، يسعى الإصلاحيون إلى التوصل إلى اتفاق شامل يضمن استقرار المنطقة على المدى الطويل، ويكون بمثابة نقطة انطلاق للتغيير والحوار مع العالم الخارجي.
شروط النجاح وعقبات التحقيق
أشار السياسي الإصلاحي والمفاوض السابق حسين موسويان إلى أن نجاح أي اتفاق يعتمد على مجموعة من العوامل الأساسية، من بينها وضوح إطار المحادثات، وتوافر إرادة حقيقية لدى واشنطن، واستمرار الحوار المباشر، إضافة إلى دور إسرائيل وموقف الدول العربية والتطورات الداخلية في إيران.
لا بد من مراعاة مصالح الإطار الإقليمي الذي يحيط بإيران ضمن أي اتفاق، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل العقلية الأصولية التي تسيطر على طهران حالياً.
الخلاف في التقييم ومستقبل الثقة
يحتاج تحقيق السلام إلى الإصلاحيين مع تغييرات في بنية النظام تضمن استدامة تغيير سياسة إيران الخارجية، وهو ما يبدو مستحيلاً في ظل نشوة الانتصار التي يعيشها المتشددون في إيران. يظل الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين قائماً في تقييم النتائج؛ فالمحافظون يلخصون انتصارهم في عبارة "لم يحقق ترامب أياً من أهدافه في هذه الحرب".
بينما يدرك الإصلاحيون جيداً أسس العلاقات الدولية، وأنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق دائم من دون بناء حد أدنى من الثقة المتبادلة؛ أي إيجاد نقطة انطلاق أولية تُلزم الطرفين بمواصلة المسار. لا تعني هذه النقطة بالضرورة حل الخلافات، بل قبول إطار عمل مشترك للحوار، وهي النقطة التي لطالما حرص المتشددون على إضاعتها.
رؤية الإصلاحيين وتأثيرها الإقليمي
تشير رؤية الإصلاحيين، وهم طيف واسع في الداخل الإيراني، إلى أن المشكلة لا تقتصر على الصراع مع الخارج، بل ترتبط بطبيعة النظام ذاته ومدى قدرته على الحفاظ على مسار الحوار. هذا يفسر لماذا تتعامل الدول العربية بحذر شديد مع إيران؛ لأنها في انتظار مؤشرات حقيقية إلى تغير السلوك الإيراني.
تسعى الدول العربية إلى تحقيق استقرار إقليمي أكثر توازناً واستدامة، وهو ما يتطلب تحولاً جوهرياً في السياسات الإيرانية. يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن إيران من تجاوز صراعاتها الداخلية لاغتنام فرصة السلام، أم أن غياب التغيير سيدفع المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار؟



