تحليل عميق لمقال أمير طاهري حول الأوضاع الإقليمية والتحديات الأمنية
كتب الصحافي الإيراني المخضرم، الأستاذ أمير طاهري، مقالة مهمة في جريدة الشرق الأوسط اللندنية تحت عنوان: «ها نحن نعيد الكرَّة من جديد!»، حيث ناقش فيها مواقف الأميركان والإيرانيين والإسرائيليين، بالإضافة إلى مفاوضات باكستان في استراحة الحرب القلقة لمدة أسبوعين. تساءل طاهري في مقاله: من المنتصر؟ وما معنى انتصاره؟ تفاصيل الجواب موجودة في المقال، لكنه أبرز فكرتين رئيسيتين تستحقان التأمل والتحليل.
موقف دول الخليج: حكمة وصبر في مواجهة العدوان
أشار طاهري في مقاله إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي هي الطرف الذي سيخرج من هذه المأساة بكرامة، حيث تحملت وطأة الهجمات الإيرانية في حربٍ لم يرغب فيها أيٌّ من أعضائها. ومع ذلك، حذر من أن الأمور في دول الخليج لن تستمر كالمعتاد مع جارٍ يُنفق مواردَ أكثرَ على مهاجمتها من إلحاق الضرر بأعدائه المعلنين. نعم، أدارت دول الخليج موقفَها بحكمة وصبر وثبات، لكن التساؤل يبقى: هل يغني ذلك مع استمرار عساكر «الحرس الثوري» في العدوان على دول الخليج واحتلال مضيق هرمز، من دون أي تغيير أو «تطوير» في موقف دول الخليج أو جلها؟
الأحكام تدور مع علتها إثباتاً ونفياً كما يقول المناطقة، ونحن هنا إن داوم «الحرس الثوري» على انتهاك أمن دول الخليج ومقدراتها، سنكون أمام دول من حقها الطبيعي الدفاع عن نفسها، و«ردع» العدوان. جاء في القرآن الكريم: «فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ». هذا المبدأ يؤكد ضرورة اتخاذ إجراءات حازمة لحماية السيادة والأمن في المنطقة.
جوهر المشكلة الإيرانية: تغيير النظام أو تحويل المنطقة
الفكرة الثانية في مقالة الأستاذ طاهري هي خلاصته التي قال فيها: «يبقى جوهر ما يعرف بـ(المشكلة الإيرانية) بسيطاً: إمَّا أن يصبح النظام في طهران مثلَ باقي حكومات المنطقة، وإمَّا أن يُحوِّل المنطقة بأسرها إلى صورة من نظامه». وهكذا نعود إلى مسألة تغيير النظام. من جهته، يدّعي ترمب أنَّ ذلك قد حدث بالفعل في طهران، بينما الحقيقة أنه كاد يُحقق ذلك، لكنَّه لم يفلح. وتلك هي قضية القضايا، كما عبَّر عنها ذات يوم الراحل غازي القصيبي في زاويته الحربية الشهيرة «في عين العاصفة».
نعم «جوهر» المشكلة ما زال باقياً، وإن كان قد مسه واهج من شهاب. مشكلتنا بل مشكلة العالم كله أو جله مع النظام العقائدي الثوري في طهران، هي أنَّ لديه «جهازاً مفاهيمياً» خاصاً به، وعقلاً منفصلاً عن الواقع وتعريفات، تخصه، عن الدولة والسياسة والقانون الدولي والعلاقات بين الدول.
لكنَّ تغيير النظام الحاكم، أي نظام في أي مكان بالعالم، شأن يخص أهل البلد الذي يحكمه هذا النظام أو ذاك، هذه هي «الكليشيهات» المعتاد قولها، لكن من أسقط أنظمة: هتلر وموسوليني وصدام والقذافي ومبارك وبن علي وصالح... وغيرهم، أليست قوى خارجية في الأساس مع أدوار داخلية؟! على كل حال، كنت من سنوات على اقتناع ثابت بأن غاية ما يُصنع مع هذا النظام العجيب هو هدنة، تطول أو تقصر، حتى ولادة أزمة أخرى مع القوم، أو أن تعود إيران إلى طريق الرشاد. والله غالب على أمره.



