تسع سنوات على رحيل سمير فرنجية: عقلٌ نادرٌ في قلب المعنى اللبناني
في مثل يوم أمس، 11 نيسان 2017، رحل سمير فرنجية، تاركًا فراغًا كبيرًا في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية. بعد تسع سنوات على وفاته، لا يزال دوره وفضله حاضرين بقوة، بينما يزداد غيابه فداحة في ظل الأوقات الخطيرة التي يمر بها لبنان.
دورٌ كبير وغيابٌ فادح
كان سمير فرنجية بمثابة "الزنبرك" في العديد من المبادرات اللبنانية، مثل "لقاء قرنة شهوان" و"14 آذار" و"المؤتمر الدائم للحوار اللبناني" و"لقاء البريستول". لا نذكره هنا بالرثاء أو التحسر على غياب قامته المعنوية الفريدة، بل نسلط الضوء على ندرة من هم في سوية مكانته ومعاييره وقيمه.
اشتق فرنجية أساليب مبتكرة لعمله في الشأن الوطني العام، وكافح من أجل أهداف لا تزال تعاني الشقاء في مخاضها الأليم، الذي يزداد وجعًا واضطرامًا ويشتد حلكةً ويضيق أفقًا. لبنان المهدد في وجوده، وبيروت المطعونة بجسدها، والدولة الجريحة، وأفقنا المشرقي المعطوب، كلها تستدعي عقلنة هذا الرجل ووعيه النير النادر بالحقيقة اللبنانية.
مزيجٌ نادرٌ من الصلابة واللين
كان سمير فرنجية مزيجًا نادرًا من الصلابة الجبلية اللبنانية واللين المديني المتنوع الخلاق. انخرط هذا المزيج في المشروع البنيوي الدولتي الحديث، حيث التقاء الجوهر بالحيوية والرحابة وسعة الفكر وديناميكية الجدل واحتمالات التفاعل.
لم يقصر فرنجية في أي من ذلك، بل كان مبادرًا بجسارة وامتلاء العقل، فاهمًا الذات والآخر، وهما معًا في الإناء المشترك. لا يخلصان إلا فيه، ولا يعثران على مخارج إلا بهذا الإناء، وهيهات اليوم أن يكون ثمّة مخرج إلا بوعي ذلك الإناء، إذ لا سبيل إلا به.
تذكيرٌ في الأوقات الظلماء
نذكّر بسمير فرنجية في هذه النهارات الظلماء والأوقات اللبنانية الخطيرة والرهيبة، بما هو، وبمن كان، وبماذا كان يفعل. لعل في التذكير ما يحضّ وما يستحث على تدارك الشطط الجهنمي غير المسبوق الذي آل إليه لبنان والمصير.
كان فرنجية من الشخصيات النادرة في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية، ليس بقدرته على المناورة السلطوية، بل بقدرته على إعادة التفكير في معنى لبنان نفسه. لم يكن مجرد رجل سياسي، بل أقرب إلى مثقف عضوي، ينخرط في الشأن العام كحامل لرؤية، لا مجرد ممثل لمصالح.
دورٌ سياسيٌ بارز
برز دور سمير فرنجية السياسي منذ ما قبل الحرب اللبنانية، وخلالها، وخصوصًا بعدها. كان من أوائل من سعوا إلى:
- الخروج من منطق الغلبة الطائفية.
- بناء ثقافة سياسية جديدة تتجاوز الاصطفافات التقليدية.
- الدفع نحو دولة مدنية ديمقراطية لا تُختزل بالطوائف.
- بلورة تيار حاول إنقاذ السياسة من ذاتها، أي من انغلاقها في العصبيات.
الفكرة اللبنانية عند فرنجية
لم يكن لبنان، عند سمير فرنجية، "وطن الأقليات" ولا مجرد تسوية تاريخية، بل:
- مشروع عيش مشترك.
- مساحة حرية وتعدد في الشرق.
- تجربة إنسانية هشة لكنها ضرورية.
هنا يلتقي، بشكل ما، مع تقاليد فكرية لبنانية أعمق، من دون أن يقع في رومانسيتها. أما قلب مشروعه فهو في الحوار والعيش معًا.
الحوار والعيش المشترك
كان فرنجية يرى أن الحوار ليس تقنية بل شرط وجود، وأن العيش معًا لا يُفرض بالقوة ولا يُختزل بالتسامح، بل يُبنى عبر:
- الاعتراف المتبادل.
- القبول بالاختلاف.
- تحويل الصراع إلى طاقة سياسية لا إلى عنف.
في هذا المعنى، كان قريبًا من فكرة أن لبنان هو "رسالة"، لكن من دون أن يحولها إلى شعار فارغ، بل حاول أن يمنحها مضمونًا عمليًا.
قيمته الحقيقية
كانت قيمة سمير فرنجية الحقيقية في أنه:
- ضد السائد في السياسة اللبنانية.
- يعمل على المدى الطويل في بلد يعيش في اللحظة.
- يؤمن بالحوار في بيئة تميل إلى القطيعة.
ولذلك، لم يكن دائمًا في موقع القوة، لكنه كان دائمًا في موقع المعنى.
لبنان في موقع المعنى
الآن، في جحيم هذا الخطر الكياني البنيوي الوجودي الذي يعصف بلبنان، ليست القوة، ولا العنف، ولا السلاح، ولا الحرب، ولا أيضًا الخراب، ولا الانتحار، ولا الهستيريا القيامية، هي المطلوبة... بل أن يكون لبنان، وأهله، في موقع المعنى.
هذا "الزنبرك"، واسمه سمير فرنجية، هو في موقع المعنى اليوم، كم لبنان القصر الجمهوري، والسرايا الحكومية، ومراكز التفكير والرأي، في حاجةٍ إليه، وأمثاله النادرين!



