الخلاف مع إيران ليس مذهبيًا: تحليل لاستراتيجية النظام الإيراني في تفتيت المجتمعات
يؤكد الخبراء أن الخلاف مع إيران ليس مذهبيًا في جوهره، بل هو صراع سياسي يستغل النظام الإيراني فيه الطائفية كأداة لتفتيت المجتمعات وتوسيع نفوذه. أولئك الذين يروجون لفكرة أن الصراع مع إيران هو خلاف شيعي - سني يقعون في الفخ الذي ينصبه النظام الإيراني بعناية، بهدف تحويل الصراع السياسي إلى صراع هويات لا يمكن احتواؤه.
استراتيجية التفتيت والتحويل
عندما يُختزل الخلاف في بُعد طائفي، يصبح غير قابل للحل، لأنه يتحول إلى معادلة صفرية حيث انتصار طائفة يعني هزيمة أخرى، مما يؤدي إلى حرب دينية. الحروب الدينية تتغذى على الضغائن الدفينة والغرائز العميقة، ولا تعرف نهايات، ولا يوجد فيها منتصر. هذه الاستراتيجية هي نفسها التي اعتمدتها التنظيمات السنية المتطرفة مثل «القاعدة» و«داعش»، وكذلك «حزب الله» والميليشيات المرتبطة بإيران، حيث يوظفون الدين والطائفية كوقود للتدمير.
أسباب توضح الطبيعة السياسية للخلاف
أولًا: أكثر من يعارضون النظام الإيراني هم من داخل إيران نفسها، وغالبيتهم من الشيعة. هؤلاء لم يخرجوا إلى الشوارع لأنهم سنة أو يخوضون صراعًا مذهبيًا، بل لأنهم مواطنون إيرانيون يرفضون نظامًا أضر بهم وأفقرهم وأدخلهم في عزلة ودوامة من الصراعات. النظام الذي يدعي أنه حامي الشيعة هو من قتل الشيعة أكثر من أي نظام آخر.
ثانيًا: في الخارج، يقف في مقدمة معارضي النظام الإيراني إيرانيون شيعة يرون فيه مشروعًا تدميريًا لبلادهم، لا ممثلًا لهم. الملايين من الإيرانيين هجروا بلدهم مجبرين. وعلى المستوى العربي، فإن من أشجع من واجهوا النفوذ الإيراني كانوا من الشيعة أيضًا، ودفع بعضهم حياته ثمناً لذلك، مثل عالم الدين علي الأمين والكاتب اللبناني لقمان سليم والشخصيات السياسية العراقية البارزة.
ثالثًا: في سلوكها العسكري والسياسي، لم تفرق إيران يوماً بين سني وشيعي. صواريخها التي استهدفت دول الخليج لم تميز بين طائفة وأخرى، كما أن تدخلاتها في الدول العربية أدت إلى إفقار الجميع وتدميرهم دون استثناء، مع إصابة الشيعة في بعض الحالات أكثر من غيرهم، كما يحدث في جنوب لبنان.
الهدف الحقيقي للنظام الإيراني
تدعي طهران الدفاع عن الشيعة، لكنها تقمعهم في الداخل وتلاحق معارضيها منهم في الخارج. الحقيقة أن «الدفاع عن الشيعة» ليس سوى غطاء للشرعية، وأداة لاختراق المجتمعات وتوسيع النفوذ. الهدف الحقيقي هو الحفاظ على السلطة في الداخل بأي ثمن، والتمدد في الخارج بأي وسيلة.
الخلاف حول طبيعة الدولة والنظام الإقليمي
الخلاف مع إيران، إذن، ليس طائفيًا ولا مذهبيًا، بل هو خلاف حول طبيعة الدولة والنظام الإقليمي الذي تسعى إليه. هو صراع بين نموذج الدولة الوطنية، الذي استقر عليه العالم، ومشروع يسعى إلى تجاوزه عبر الوكلاء والميليشيات والتدخل المباشر وغير المباشر في شؤون الدول. الصراع مع النظام الإيراني اليوم هو من أجل دفعه للتحول من تنظيم آيديولوجي إلى دولة طبيعية.
ولهذا، فإن من يقف في وجه هذا المشروع ليسوا طائفة بعينها، بل كل من يؤمن بفكرة الدولة الوطنية، وفي مقدمتهم مواطنون ينتمون للطائفة الشيعية يرفضون الدعاية الإيرانية واختطاف طائفتهم وتحويلها إلى أداة في صراع سياسي لا يمثلهم. الذين يروجون للسردية الطائفية هم من يقعون في فخ النظام الذي نصبه لهم.



