إعدامات إيران: لماذا يخشى النظام الجيل الشاب والمقاومة المنظمة؟
في لحظة حرجة تتقاطع فيها الحرب الخارجية مع أزمات الداخل، عاد النظام الإيراني إلى أداته الأكثر قسوةً ووضوحاً: الإعدام. ففي غضون أيام قليلة، أُعدم عدد من السجناء السياسيين المرتبطين بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، بينهم محمد تقي سنكدهي، وأكبر دانشوركار، وبويا قبادي، وبابك علي بور. ولا يمكن النظر إلى هذه الإعدامات بوصفها مجرد حلقة جديدة في سجل القمع، بل بوصفها مؤشراً سياسياً على طبيعة المرحلة التي يمر بها النظام، وعلى حجم القلق الذي يعيشه إزاء ما يتشكل داخل المجتمع الإيراني.
الخوف الكامن وراء الإعدامات
ظاهرياً، قد يبدو أن نظاماً يشن هذه الإعدامات في خضم الحرب يريد أن يظهر بمظهر الصلابة والقدرة على ضبط الداخل. لكن القراءة الأعمق تقود إلى معنى مغاير: السلطة التي تلجأ إلى المشنقة في ذروة أزمتها لا تفعل ذلك لأنها واثقة، بل لأنها تخشى. الإعدام هنا لا يبدو تعبيراً عن فائض قوة، بقدر ما يعكس توتراً داخلياً متزايداً وخوفاً من أن يتحول الضغط الاجتماعي المتراكم إلى مسار أكثر تنظيماً وفاعلية.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يميز المشهد الإيراني اليوم ليس فقط استمرار الاحتجاج أو الغضب الشعبي، بل ظهور عنصر أكثر أهمية: تلاقي الجيل الشاب مع بنية تنظيمية قائمة. وهذه نقطة مفصلية. فالدعاية الرسمية التي سعت طويلاً إلى تصوير مجاهدي خلق بوصفهم "بقايا الماضي" تبدو أقل إقناعاً أمام واقع تشير فيه المعطيات إلى حضور أجيال شابة، بعضها في نهاية المراهقة أو مطلع العشرينات، داخل فضاء معارض أكثر تماسكاً وتنظيمياً.
التطور التنظيمي والاستمرارية الجيلية
هذا الحضور لا يضيف بعداً بشرياً فقط، بل يمنح الظاهرة معنى سياسياً أعمق: هناك استمرارية جيلية لا انقطاع فيها، وهذا في حد ذاته مؤشر على أن القضية لم تعد أسيرة الذاكرة، بل أصبحت جزءاً من الحاضر. كما أن طبيعة الاتهامات والخطاب الرسمي تكشف الكثير مما يحاول النظام إخفاءه. فعندما يكثر الحديث عن "العمل المسلح"، و"التخطيط"، و"الانضباط التشغيلي"، و"استهداف النظام"، فإن ذلك يعني أن السلطة لم تعد تواجه احتجاجاً عفويًا أو مجرد غضب اجتماعي بلا مركز، بل باتت ترى أمامها خصماً أكثر تنظيمًا، يمتلك تصوراً وأهدافاً وأدوات.
وبغض النظر عن اللغة الدعائية التي تستخدمها أجهزة النظام، فإن هذا التطور بحد ذاته يشي بأن المسألة تجاوزت حدود الاعتراضات المتفرقة، وأن هناك قلقاً رسمياً من قوة قادرة على التحرك داخل البلاد بفعالية متزايدة. هنا تحديداً يصبح الإعدام أداة مزدوجة: وسيلة للترهيب من جهة، واعترافاً غير مباشر من جهة أخرى. فحين تُستهدف شخصيات أو عناصر ترى السلطة أنها ذات وزن تنظيمي أو رمزي، فإن ذلك يدل على أن الخطر لم يعد نظرياً في نظرها.
المأزق الحقيقي للنظام الإيراني
الأنظمة لا تصعّد بهذا الشكل إلا عندما تشعر بأن خصمها بدأ يتجاوز عتبة الخطاب إلى عتبة التأثير الملموس. من الناحية الاجتماعية، يلفت هذا المشهد إلى تطور مهم: الجيل الجديد في إيران لم يعد محصوراً في الانفعال اللحظي أو الاحتجاج غير المؤطر، بل بدأت تظهر دلائل على ارتباطه، بدرجات متفاوتة، بإطار سياسي وتنظيمي أكثر وضوحاً. وهذا ما يمنح الاعتراض معنى واستمرارية واتجاهاً، ويحوله من انفجار مؤقت إلى عملية تراكمية.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: كم يبلغ حجم الغضب داخل إيران؟ بل: كيف يُعاد تنظيم هذا الغضب، ومن يملك القدرة على توجيهه؟ في هذا السياق، تبدو موجة الإعدامات الأخيرة جزءاً من محاولة النظام كسر هذا المسار قبل أن يتوسع. لكنه، في الوقت نفسه، يكشف عبر هذه الجرائم عن مأزقه الحقيقي: إنه يواجه مجتمعاً لم ينجح في إخضاعه بالكامل، وجيلاً لم تمنعه سنوات القمع من الانخراط، وبنية تنظيمية لم تعد السلطة قادرة على تجاهلها أو اختزالها في وصف دعائي قديم.
دلالات أوسع للمستقبل
ولهذا، فإنَّ التطورات الأخيرة تحمل دلالة أوسع من الحدث نفسه. فهي تشير إلى أن معركة التغيير في إيران لا تُحسم فقط في ميزان الحرب الخارجية، بل في عمق المجتمع الإيراني، حيث تتشكل ببطء ولكن بثبات معادلة جديدة: مجتمع أكثر رفضاً، وشباب أكثر حضوراً، ومقاومة أكثر تنظيمًا. ومن هنا، فإن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كان النظام قادراً على القمع، بل إلى متى يستطيع أن يجعل من الإعدام بديلاً عن السياسة، ومن الخوف بديلاً عن الشرعية.



