بريطانيا تعود إلى وضع "كما كنت" بعد حديث ستارمر عن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي
تبدو بريطانيا من خلال تصريحات رئيس حكومتها السير كير ستارمر الأخيرة، وكأنها جندي يؤدي الخدمة العسكرية، لا يملك إلا أن يأتمر بما يسمع. فالذين أدوا هذه الخدمة يعرفون مصطلحاً شائعاً بين الضباط والجنود، وهو مصطلح من كلمتين: "كما كنت"، ولا معنى لهما إلا أن على الجندي إذا سمعهما أن يعود إلى الوضع الطبيعي للوقوف في الحياة العسكرية، وهو وضع "انتباه".
من الكوميديا إلى التراجيديا السياسية
في أفلام الفنان إسماعيل ياسين القديمة، كانت المفارقات بين وضعيتي "صفاً" و"انتباه" مثاراً للضحك، ولكن في السياسة، نجد أن بريطانيا تعود إلى مراجعة ما كان منها مع الاتحاد الأوروبي. يخرج ستارمر ليتحدث عن مصالح وطنية لبلاده تتطلب علاقات أوثق مع الاتحاد، وعن محاولات بريطانية لإصلاح ما سماه "الأضرار الجسيمة" لخروج بريطانيا من عضوية الاتحاد.
نذكر أن خروج بريطانيا كان في عهد رئيس الحكومة ديفيد كاميرون، عبر استفتاء قالت غالبية البريطانيين فيه إنها ترغب في الخروج. فلم يملك كاميرون إلا أن يستجيب، ولم يملك بوريس جونسون فيما بعد إلا أن يأخذ قرار الخروج إلى النور. وهذا معناه أن الخروج لم يكن قراراً فردياً، بل كان قراراً للشعب في غالبيته، أي أنها كانت عملية ديمقراطية مكتملة من الألف إلى الياء.
تساؤلات حول عدالة الديمقراطية
كان رئيس الحكومة البريطاني الأشهر ونستون تشرشل قد قال ما معناه، أن الديمقراطية ليست أفضل نُظم الحكم، وإنما هي أفضل طريقة توصلت لها البشرية في حُكم الشعوب. ويبدو أن ما قاله الرجل كان في محله تماماً، لكنه يثير تساؤلات حول عدالة هذه النظام.
فالقاعدة الديمقراطية تقوم على الأغلبية، حيث يفوز بمقعد الحكم الشخص أو الحزب الذي يحصل على أكثر من خمسين في المائة، حتى ولو كان هذا المقدار واحداً في المائة. وفي المقابل، يخسر الشخص أو الحزب الذي يحصل على أقل من خمسين في المائة، حتى أيضاً ولو كان هذا المقدار واحداً في المائة. هذه قاعدة يتوافق عليها العالم الحديث، لكنها غير عادلة في نظر البعض؛ لأنها تأخذ بما يراه نصف الشعب تقريباً، ولا تُلقي بالاً إلى النصف الآخر الذي قال "لا" في صندوق الاقتراع.
بريطانيا تعتذر للذين قالوا "لا"
بالعودة إلى بريطانيا، تبدو وكأنها تعتذر للذين قالوا "لا" وقت الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، فلم يلتفت إليهم ولا إلى عددهم أحد، رغم أنهم كانوا بالملايين. ولكن ذلك لم يشفع لهم في شيء أمام القاعدة الديمقراطية غير العادلة: قاعدة الأغلبية!
فالأغلبية هي كلمة السر في الديمقراطية كعملية سياسية، وأمام كلمة الأغلبية يلتزم الجميع الصمت، ويجلس الذين لم يكونوا ضمن هذه الأغلبية يجترون آلامهم وأحزانهم، ثم يتساءلون عما إذا كانت الديمقراطية عادلة حقاً.
من "صفاً" إلى "انتباه"
من زمن ديفيد كاميرون في 2016 حين جرى الاستفتاء، ثم منذ الأخذ بنتيجته في زمن بوريس جونسون، تظل بلاد الإنجليز وكأنها بقيت في الوضع "صفاً" بالتعبير العسكري، وعلى سبيل التحية للغالبية التي قالت "نعم" للخروج من الاتحاد الأوروبي. فإذا بها تعود بعد حديث ستارمر عن علاقات أوثق مع الحلفاء الأوروبيين، وعن معالجة للأضرار الجسيمة للخروج، وكأنها ترجع إلى الوضع: انتباه!
بقيت بريطانيا على مدى سنوات منذ الخروج الفعلي في الوضعية "صفاً"، فلما تكلم السير كير ستارمر عما تكلم عنه، كان كمن يقول للشعب الذي جرى استفتاؤه: "كما كنت"! هذه العودة تثير نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقات البريطانية الأوروبية وطبيعة الديمقراطية في العصر الحديث.



