أوروبا في مفترق طرق: تحليل عميق للتحديات السياسية والعسكرية
يبدو أن القارة الأوروبية تواجه مرحلة حاسمة في واقعها الحالي ومستقبلها السياسي على الساحة الدولية، حيث يتعلق الأمر بقدرتها على حماية مصالحها التي بنتها عبر عقود طويلة من الزمن. هذا الوضع جاء بعد مفاجأة أمريكية عبر تصريحات حادة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب ووزير خارجيته، والتي عبرت عن موقف صارم تجاه حلف الناتو والعلاقات مع الدول الأوروبية.
اعتماد أوروبا على أمريكا: جذور الخلل
لقد اعتمدت الدول الأوروبية لعقود على الولايات المتحدة في الدفاع عنها، خاصة في مواجهة التهديدات السابقة من الاتحاد السوفيتي والحالية من روسيا. ومع ذلك، بدأت واشنطن ترى أن المنفعة من حلف الناتو باتت تذهب في اتجاه واحد، لصالح أوروبا، خصوصاً بعد مواقف بعض الدول الأوروبية الرافضة لمساندة أمريكا في حربها على إيران. عبر الرئيس ترمب عن هذا بوضوح، واصفاً الحلف بأنه "نمر من ورق" دون أمريكا، مشيراً إلى إمكانية الانسحاب دون موافقة الكونجرس.
وبالعودة إلى جذور هذا الخلل، فقد نتج عن اطمئنان أوروبا للدور الدفاعي الأمريكي، الذي تعتبره واشنطن الآن استغلالاً لها. في المقابل، ركزت دول القارة العجوز على النمو الاقتصادي والتنمية، حيث أصبحت دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا من بين أكبر عشر اقتصادات عالمياً. لكن هذا التركيز جاء على حساب إهمال كبير للجانب العسكري وتطوير التسليح، مما أدى إلى تراجع في قدراتها العسكرية مقارنة بالتفوق الأمريكي والروسي.
المرض الهولندي: تشبيه سياسي وعسكري
هذا التراجع العسكري والسياسي الذي عانت منه أوروبا لعشرات السنين يذكرنا بمصطلح اقتصادي شهير، هو "المرض الهولندي"، الذي صاغته مجلة "الإيكونومست" عام 1977. يصف هذا المصطلح العلاقة السلبية بين ازدهار قطاع الموارد الطبيعية، مثل النفط والغاز، وتراجع القطاعات الأخرى كالتصنيع والزراعة. في حالة هولندا، أدى اكتشاف حقول غاز طبيعي ضخمة في ستينيات القرن الماضي إلى ارتفاع تدفق العملات الأجنبية ورفع قيمة العملة المحلية، مما جعل الصادرات الأخرى مكلفة وغير منافسة، وتراجع الاقتصاد بشكل عام.
وبالمثل، يمكن تشبيه وضع أوروبا بهذا المرض، حيث أدى اعتمادها شبه المطلق على أمريكا في الدفاع إلى تراجع في تطوير قدراتها العسكرية والسياسية المستقلة. هذا جعل دورها الخارجي محدود التأثير مقارنة بأمريكا، بل وحتى مقارنة بالصين، التي أصبح تأثيرها الاقتصادي عالمياً وأهم من اقتصاد الاتحاد الأوروبي في بعض الجوانب.
تحديات النظام الدولي الجديد
يواجه هذا الواقع أوروبا بتحديات كبيرة في النظام الدولي الجديد، حيث تلعب واشنطن دوراً فاعلاً في تشكيله. في الحرب الحالية على إيران، على سبيل المثال، أظهرت بعض الدول الأوروبية مواقف سلبية من وجهة نظر أمريكا، مما أعطى مبرراً للتفكير في الانسحاب من حلف الناتو. في وقت لا تبدو أوروبا جاهزة لتغطية الفراغ الأمني والعسكري والاستخباراتي في فترة قصيرة.
مع ارتفاع الدين السيادي الأمريكي إلى 39 تريليون دولار، وهو ما يعادل أكثر من 120% من الناتج المحلي، أصبح الرئيس ترمب ومن سيليه يفكرون في تحالفات أكثر فائدة لأمريكا من الناحية المادية والمعنوية. هذا يضع أوروبا في موقف صعب، حيث قد تجد نفسها مبتعدة أكثر عن التأثير عالمياً، خاصة في ملفات الشرق الأوسط وإفريقيا وشرق آسيا.
سبل المعالجة والمستقبل
تحاول أوروبا حالياً استخدام مخزون خبرتها السياسية للمناورة، وتحويل معظم الملفات إلى منطقة الحلول السياسية، لتخترق الحواجز التي وضعتها واشنطن. لكن هذا قد لا يكون مضمون النجاح ما لم يصاحبه تحركات اقتصادية وعسكرية لحفظ السلام والأمن الدولي. كما عالجت هولندا مرضها الاقتصادي بتحفيز القطاعات الأخرى وإعادة النظر في دور الإيرادات من الثروات الطبيعية، فهل ستقوم أوروبا بمعالجة خلل التفوق الأمريكي عليها؟
خصوصاً في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا، التي تمثل أكبر تهديد لأوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، يصبح من الضروري أن تعيد أوروبا تقييم اعتمادها المفرط على الجيش الأمريكي. المستقبل يتطلب خطوات جريئة لتعزيز دورها السياسي والعسكري، لضمان مكانتها في النظام الدولي المتغير.



