مأساة بيار وفلافيا ورولا: عندما تخذل الدولة من يؤمن بها
لم يكن بيار معوّض يسعى وراء بطولة أو مجد، ولم تكن فلافيا تحلم سوى بحياة عادية بسيطة، كما لم تكن رولا مطر تنتظر أكثر من غدٍ هادئ مستقر. هؤلاء الأفراد لم يختاروا الانخراط في حروب الآخرين، ولم يسلكوا دروب الصراعات، ولم يكونوا جزءاً من حساباتها المعقدة. ببساطة، كانوا من أولئك الذين قرروا أن يعاندوا واقع لبنان الصعب... من خلال الإيمان بهذا البلد وبقدرته على النهوض.
رهان على وطن يتآكل من الداخل
في بلدٍ هجره العديد من أبنائه بحثاً عن مستقبل أفضل، اختار بيار وفلافيا ورولا البقاء. في وطنٍ يعاني من التآكل الداخلي والانهيارات المتكررة، قرروا أن يبنوا ويشاركوا في إعادة الإعمار. لم يستسلموا لفكرة أن لبنان لم يعد يشبه الحياة، بل راهنوا عليه بصدق، مؤمنين أن الدولة يمكن أن تكون سنداً وحامياً لهم في أوقات الشدة.
لكن الدولة، ولسوء الحظ، خذلتهم مرة أخرى. خذلت بيار الذي آمن بها ولم توفر له الحماية الكافية، وخذلت فلافيا ورولا اللتين طمحتا إلى حياة بسيطة آمنة، ولم تؤمن لهما أبسط شروط الأمان... تماماً كما حدث مع ملايين اللبنانيين الآخرين الذين يعانون من نفس المصير.
تساؤلات حول دور الدولة ومسؤولياتها
أي دولة هذه التي لا تحمي من يؤمن بها ويراهن على مستقبلها؟ وأي دولة هذه التي تترك أبنائها لمصيرٍ لا يشبه سوى الفوضى المطلقة والغموض؟ المأساة هنا ليست فقط في الرحيل أو الخسارة، بل في المعنى العميق الذي يحمله هذا الرحيل. فبيار وعائلته لم يكونوا حالة استثنائية، بل كانوا صورة مصغرة عن جيلٍ كامل؛ جيلٍ تعب من الانهيارات الاقتصادية والسياسية، ومن الحروب المتكررة التي لا تنتهي، ومن الانتظار الطويل لوطنٍ يحقق الاستقرار والأمان.
هذا الجيل يناضل بكل قوة، يدرس بجد، يخطط للمستقبل، ويعمل بلا كلل، ثم يُترك فجأة في لحظة حاسمة أمام المجهول وعدم اليقين. وإذا كانت الدولة غائبة أو عاجزة عن أداء دورها، فإن المأساة تتضاعف عندما تتحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين وحروبهم الخارجية.
تدخلات خارجية وتقاعس حكومي
عندما يصبح القرار خارج إرادة الدولة، وتُفرض عليها الحروب، ويُدفع ثمنها من دماء أبنائها الأبرياء، يصبح الوضع أكثر خطورة. لا يمكن تجاهل حقيقة أن لبنان لا يملك قراره كاملاً، وأن وجود قوى مسلحة خارجة عن القانون، مثل حزب الله، جعل البلاد عرضةً لحروب لا تخدم مصالح شعبها ولا تشبه طموحاته.
هذه الحروب تُخاض غالباً باسم حسابات إقليمية، كتلك المرتبطة بإيران، وتُدفع أثمانها الباهظة في شوارع بيروت والجنوب والبقاع... من خلال دماء المدنيين الأبرياء. وآخر هذه الحروب كانت تلك التي دخلها حزب الله تحت عنوان "إسناد إيران" والثأر للخامنئي، مما استدعى ردوداً إسرائيلية عنيفة بلا سقف، تطارد أهدافها في كل مكان، وتجعل المدنيين ضحايا محتملين في أي لحظة.
يزداد الأمر سوءاً مع تقاعس الدولة اللبنانية عن ملاحقة المسلحين المنتمين إلى حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني، وإبعادهم عن الأحياء المدنية السكنية، مما يعرض حياة المواطنين للخطر المستمر.
خلاصة مؤلمة وأسئلة ملحة
وسط هذا المشهد القاتم، تبقى الحقيقة الأقسى: أن من يراهن على الدولة ويؤمن بدورها... غالباً ما تُترك رهاناته معلقة في الهواء، بدون ضمانات أو حماية. بيار لم يكن يحمل سلاحاً، وفلافيا لم تكن في جبهة قتال، ورولا لم تكن مشاركة في معركة. كانوا ببساطة يعيشون حياتهم كما يريدون، بسلام وأمل.
رحم الله بيار معوّض وفلافيا ورولا مطر. رحمهم كشهداء، رحمهم كضحايا، ليس فقط لحرب عابرة، بل لغياب دولة فاعلة، ولتقاعس مؤسساتي، ولتلك المساحات الرمادية الهزيلة التي يُراد للبنانيين أن يعيشوا فيها ويُطلقوا عليها اسم وطن.
في موتهم، ليس هناك حزن فقط، بل هناك سؤال كبير يتردد: كم سندفع بعد من أثمان باهظة لنستحق في النهاية دولة القانون والأمان والاستقرار والحياد؟ دولة تحمي من يؤمن بها وتراهن على مستقبلها، بدلاً من أن تخذلهم وتتركهم لمصير مجهول.



