رواية 'حفلة التيس' تكشف عن تحولات الاستبداد في العراق من الديكتاتورية إلى الفوضى
حفلة التيس والاستبداد في العراق: من صدام إلى الفوضى

رواية 'حفلة التيس' ومرايا الاستبداد في العراق: من الديكتاتورية إلى الفوضى المتعددة

ليست رواية 'حفلة التيس' للأديب البيروفي ماريو بارغاس يوسا مجرد سردية أدبية عن ديكتاتور كاريبي انتهى مصيره بالاغتيال، بل هي نموذج عميق يكشف عن آليات تشكل الأنظمة الاستبدادية، وكيفية تسلل هذه الأنظمة إلى مفاصل الدولة والمجتمع، ثم كيفية تركها فراغاً سياسياً واجتماعياً قد يكون أكثر خطورة من وجودها ذاته. عند قراءة هذه الرواية الرائعة على ضوء التجربة العراقية، قبل سقوط نظام صدام حسين وبعده، تبرز مفارقة صارخة: الانتقال من استبداد فردي مطلق إلى هشاشة دولة مفتوحة على استبدادات متعددة ومتشابكة.

من صدام إلى تروخيو: تشابهات الديكتاتورية المركزية

في عهد صدام حسين، كانت السلطة في العراق مركزة في شخص واحد، حيث تدور جميع أجهزة الدولة في فلكه. كان الخوف منظماً، ومؤسسات القمع تعمل بكفاءة عالية، والولاء يُشترى أو يُفرض بالرصاص. هذا النموذج يشبه إلى حد كبير صورة الديكتاتور تروخيو في رواية يوسا، حيث يرى الحاكم نفسه تجسيداً للدولة، ويعتقد أن بقاءه شرط أساسي لبقاء الوطن. في هذا الإطار، تكون القسوة صريحة، والعدو معروفاً، والقرارات مركزية حتى لو كانت مدمرة.

ما بعد 2003: حفلة أكثر تعقيداً وهشاشة

لم يكن ما حدث بعد عام 2003 في العراق خروجاً من 'حفلة التيس'، بل كان انتقالاً إلى حفلة أكثر تعقيداً وخطورة. لم يعد هناك 'تروخيو' واحد، بل ظهرت نسخ متعددة منه، تتقاسم النفوذ تحت عناوين طائفية وسياسية ومناطقية. هذه القوى تتنازع على الدولة حتى أفرغتها من مضمونها الحقيقي، وألحقتها بنفوذ دولة أخرى هي إيران. هنا تكمن المفارقة الأساسية: سقط الاستبداد الفردي، لكن لم تولد دولة قوية، بل وُلد فراغ سياسي ملأته جماعات مسلحة وأحزاب مؤدلجة، لا علاقة لها بمصلحة العراق أو شعبه.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

شبكات التواطؤ: من البقاء إلى الاستحواذ

في رواية يوسا، يبيّن الكاتب أن الطغيان لا يقوم على الفرد فقط، بل على شبكة من المتواطئين. وهذا ما يتكرر في الحالة العراقية، لكن بصورة معكوسة. في زمن صدام، كان التواطؤ وسيلة لضمان البقاء داخل نظام مغلق، أما بعده، فأصبح التواطؤ أداة للاستحواذ على الدولة والثروة والسلطة وتقاسمها. لم يعد الخوف وحده هو الحاكم، بل دخلت معه عوامل مثل الغنيمة والابتزاز والعمالة.

هيكل الدولة الهش والنفوذ الخارجي

العنصر الأكثر خطورة في المقارنة هو تحول فكرة الدولة نفسها في العراق إلى هيكل هش. فبينما كانت هناك دولة متماسكة شكلياً تحت حكم صدام، رغم بطش النظام، أصبحت الدولة العراقية اليوم تتنازعها ولاءات متضاربة: جهوية، طائفية، عرقية، ومرتهنة للنفوذ الإيراني. هذا النفوذ لم يدخل فقط عبر السياسة، بل عبر الإيديولوجيا والاقتصاد والابتزاز، مما حوّل العراق إلى ساحة مفتوحة للعصابات، بما في ذلك الاعتداءات المسلحة على جيران مثل الكويت.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الشعارات الغيبية وأدوات القمع الموزع

الشعارات التي رُفعت بعد 2003، مثل المظلومية التاريخية أو العدالة المؤجلة، تحوّلت إلى أدوات سياسية لإعادة تشكيل السلطة الطائفية. هنا نرى صدى آخر من رواية يوسا، حيث تُظهر كيف يمكن للأفكار، حين تُفصل عن الواقع، أن تصبح غطاءً للقمع. في العراق، لم يعد القمع مركزياً، بل أصبح موزعاً، يمارَس بأشكال مختلفة: أحياناً باسم الدين، وأحياناً باسم المقاومة، وأحياناً باسم حماية الطائفة أو الدولة الوصية.

الخوف المبعثر والفراغ العميق

المواطن العراقي انتقل من خوف واحد في زمن صدام، حيث كان يعرف مصدر التهديد، إلى مخاوف متعددة اليوم، حيث التهديد مبعثر وغير محدد. هذا النوع من الخوف أكثر إنهاكاً، لأنه لا يمنح حتى وهم الاستقرار. كما أن اغتيال تروخيو في الرواية لم يؤدِ إلى استقرار فوري، بل كشف عن فراغ عميق؛ وسقوط صدام كشف عن هشاشة بنيوية في الدولة العراقية، مع فارق أن الرواية تشير إلى إمكانية إعادة بناء الدولة بعد الطاغية، بينما في العراق، ما زال الصراع على تعريف الدولة نفسها قائماً.

الخارج في الداخل: تداخل السيادة والنفوذ

الأخطر في 'الحفلة' العراقية أن الخارج أصبح جزءاً من الداخل. النفوذ الإيراني لم يأتِ فقط عبر الحدود، بل عبر بنية سياسية سمحت له بالتغلغل. حين تختلط السيادة بالشعارات العابرة للحدود، تفقد الدولة قدرتها على تعريف مصالحها الوطنية. هنا تتقاطع الرواية مع الواقع في نقطة جوهرية: الاستبداد لا يسقط مرة واحدة، بل يتغير شكله. قد يختفي الطاغية، لكن إرثه وثقافته يتبنّاها الوارثون، ويعيدون إنتاجها في صور جديدة.

في العراق اليوم، السلطة ما زالت غنيمة، والخوف ما زال أداة، والدولة ما زالت فكرة غير مكتملة. بين الماضي والحاضر، يبقى السؤال معلقاً: هل المشكلة في الطاغية، أم في الشروط التي تسمح بظهوره من جديد؟ أي فقدان النخب لبوصلة شروط الدولة المسؤولة، مما يجعل الاستبداد يتجدد بأشكال أكثر تعقيداً وهشاشة.