كلمتان في الحلال: كيف تحولت النكتة المسرحية إلى واقع في وسائل التواصل الاجتماعي؟
كلمتان في الحلال: النكتة المسرحية تتحول إلى واقع في السوشيال ميديا

كلمتان في الحلال: من النكتة المسرحية إلى واقع السوشيال ميديا

في مشهد شهير من مسرحية «المتزوجون»، يسأل البطل صبي المقهى عمّا يعرفه عن «سياسة الوفاق الودي»، فيجيبه: «يعني يا بخت من وفَّقَ راسين في الحلال». وتتفاعل القاعة بالضحك، لكن هذه النكتة تحولت اليوم إلى حقيقة ملموسة في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، حيث وجدت آراء المقهى متنفسًا واسعًا للنشر والتأثير.

سهولة الإفتاء السياسي في العصر الرقمي

لم تكن المهمة عسيرة في العقود الأخيرة؛ فقد زاد عدد المتخرجين من التعليم القادرين على الكتابة، مما مكّن هؤلاء من تحويل المعارف الشفهية إلى لغة تشبه لغة العارفين. وفي حين لا يمكّنهم هذا من الاقتراب من المعارف التجريبية الواضحة المعالم كالطب والهندسة، فإنهم وجدوا في السياسة مجالاً ملائماً يسهل فيه الإفتاء بغير جهد كبير.

يزيد في تيسير هذه المهمة، ويزيد من خطرها أيضًا، وفرة عبارات مقولبة أو متلازمات لغوية موروثة من حقب سياسية سابقة، مثل الناصرية و«البعث» وكتابات حقبة التحرر من الاستعمار. اقترنت هذه المتلازمات اللغوية في أذن السامع وعين القارئ بصوت المثقف السياسي، مما يجعل من السهل استخدام عبارات مثل «البعد الاستراتيجي» أو «الأمن القومي الإقليمي» لتبدو وكأنك عارف بالسياسة وجدير بقيادة الرأي فيها.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

المشكلات الكامنة في المتلازمات اللغوية

هناك فئة أخرى من المتلازمات اللغوية السياسية ربطت نفسها بالوطني الصالح، مثل «العدو الاستراتيجي» و«القضية المركزية». المشكلة الأولى في هذه المتلازمات أنها استعلت على الاختبار المنطقي؛ فلم تعد مجرد ألفاظ دلالية على اتجاه سياسي، بل صارت حبلى بالحق والصواب، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. التكرار، بدل أن يكون عيبًا في أصالتها، أكسبها ألفة وحولها إلى خط معياري.

حول هذا المحور، توافرت عناصر النجومية الجديدة: شخص يقرأ ويكتب، لديه مساحة للنشر، يكرر عبارات جاهزة، وجمهور تربى على العبارات نفسها حتى ألفها، والصوت يساوي صوتًا بغض النظر عن قيمة المكتوب. فازدهر ما يُعرف بـ«الكيتش السياسي»، أي المضمون السيئ المعدوم الأصالة، ولكن المغلف بنوستالجيا الأغاني السياسية.

تأثير المتلازمات اللغوية على الإنجاز العملي

المشكلة الأكبر، عمليًا، أن المتلازمات اللغوية تعيد إنتاج التجارب، وتروج الفاشل منها بألفة الصياغة. عبارة مثل «العمل العربي المشترك» تبدو في الظاهر غرضًا نبيلًا، ولأنها مألوفة لن تفكر فيها. لكنها في التفاصيل مرتبطة بتجارب وحدوية مأساوية، واستُخدِمَت مسوّغًا للتدخل في اختيارات الدول الوطنية المستقلة وتعطيلها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

كما أن الواقع لا يدعمها، فالتعاون الواقعي المثمر في ظروفنا الإقليمية كان دائمًا ثنائيًا أو ثلاثيًا ملتئمًا حول مصالح ملموسة. لا يجب أن يكون كل تعاون تكتلاً، ولا أن يكون كل تنسيق حلفًا. هذه المتلازمات اللغوية تصنع مبالغات، والمبالغات تخلق سقف توقعات وهميًا ثم إحباطًا، مما يعيق الإنجاز في حدود الممكن؛ إذ الأحلام المستحيلة بوابة للهروب من المهام الضرورية.

الخطر الأوسع: ذهنية تنس الطاولة

والمتلازمات اللغوية بهذه الحدية، والتراوح بين المستحيل والإحباط، ترسخ ذهنية تنس الطاولة. إن لم يكن «عداء استراتيجيًا» فسيكون «خيانة وتماهيًا في العدو». لا يوجد في المنتصف ظلال من العلاقات العادية، أو الخلافات التي يمكن تجاوزها، أو تضارب المصالح الذي يجري التفاوض حوله للوصول إلى تفاهمات.

اللغة بوجه عام مملوءة بهذه التركيبات والقوالب، مثل «الحزن العميق» و«الألم المرير» و«الحب الجارف» و«الغضب العارم». يحذرونك في الأدب أن تنجر بحكم التعود اللفظي إلى نعوت لم تقصدها. لكن انتقال ظاهرة القوالب اللغوية الجاهزة إلى السياسة أخطر لأنها تغير مصائر ملايين، وتؤثر على القرارات والعلاقات الدولية بطرق عميقة.