طهران بين خيارين مصيريين: الإصلاح الداخلي أو العزلة الدولية بعد الحرب
تواجه إيران مرحلة حرجة في تاريخها الحديث، حيث تبرز رسائل متكررة من الساسة الإيرانيين، مدفوعة من التيارات المتشددة الداعمة للحرس الثوري، تؤكد رفض أي وقف لإطلاق النار لا يضمن عدم تكرار الحرب، تلافياً لتجربة حزيران/يونيو 2025. هذه الرسائل تعكس سيطرة التيار المحافظ على الشارع باسم الفداء والوطن، مما يؤدي إلى وأد أي نصيحة أو معارضة من التيار الإصلاحي، بتهمة الخيانة للحفاظ على الوحدة الوطنية.
صراع التيارات: الإصلاحيون مقابل المحافظين
يظهر هذا الصراع جلياً مع شخصيات إصلاحية مثل الرئيس السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، اللذين نجحا ديبلوماسياً في التوصل إلى اتفاق مع الغرب عام 2015. اليوم، يخشى الإصلاحيون من أن سياسات التيار المحافظ المتشدد لن تؤدي إلا إلى تعزيز العداء تجاه الغرب، بهدف السيطرة على الشارع، مما يهدد مستقبل الدولة الإيرانية. هذا الوضع يتجاوز مرحلة الثورة على الشاه، حيث غادر أنصاره إلى الخارج، وخلق انقساماً بين الإيرانيين في الداخل والخارج.
تنحية الإصلاحيين عن الحياة السياسية وقصف آرائهم في مهدها، خاصة في ظل رحيل خامنئي وهيمنة الوجه العسكري للدولة الذي أتى بالمرشد مجتبى خامنئي بضغط من الحرس الثوري، يعني تعزيز الانقسام داخل إيران. هذا الانقسام قد لا يؤدي إلى إسقاط النظام، لكنه يعزز حالة التثبيط التي تعيشها الجمهورية الإسلامية، مع استمرار أقلام المتشددين في ترديد أن الحرب يجب أن تستمر حتى تُلبّى شروط إيران.
عواقب الاستمرار: العزلة الدولية وفقدان الثقة
استمرار هذه الاستراتيجية يعني أن النظام الإيراني يحافظ على فشله، ولن يستطيع استعادة ثقة دول الخليج العربي بعقلية متشددة كهذه. بعد انتهاء الحرب، إن قُدّر للنظام البقاء، ستواجه إيران عزلة خطيرة، خاصة في محيطها الخليجي، مما قد يؤدي إلى عزلة قاتلة على غرار أنظمة ما بعد الحرب. دول الخليج فقدت الأمان في جوار هذا النظام، مما يتطلب جهداً كبيراً من طهران لاستعادة ثقتها.
الحل الوحيد يكمن في تصدر الإصلاحيين للمشهد، لإقرار استراتيجية جديدة للعلاقات الخارجية. يمكن فهم الدعوات الإصلاحية، مثل دعوة الرئيس روحاني لإصلاحات جذرية في صنع السياسات، كتعبير عن شريحة كبيرة داخل إيران من التيارات المعتدلة التي تمارس الصبر الاستراتيجي، أملاً في التغيير على يد شخصيات مثل خاتمي وروحاني وظريف.
صرخة الإصلاحيين: اعتراف ضمني بالفشل
مقالة الوزير الإصلاحي جواد ظريف في مجلة "فورين أفيرز"، التي تفاخر فيها بالمستنقع الذي دخله الأميركيون، أثارت غضب سياسيين عرب، حيث كان من الأولى به أن يطالب نظامه بالعدول عن سياسته. هذه المقالة تمثل صرخة مكتومة واعترافاً ضمنياً بأن استمرار الحرب لن يُكسب إيران إلا المزيد من التفاخر بإهانة الأميركيين، دون القدرة على الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب. الأمر يبدأ بإصلاح استراتيجية السياسة الإيرانية أولاً، لتجنب بقاء إيران في مستنقع ما بعد الحرب، الذي يهدد مستقبل النظام إذا عجز عن تلبية تطلعات شعبه.



