في زمن الصراعات: أين تختفي الرواية الإعلامية العربية؟
أين تختفي الرواية الإعلامية العربية في زمن الصراعات؟

في زمن الصراعات: أين تختفي الرواية الإعلامية العربية؟

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتصاعد النزاعات، يجد المشاهد العربي نفسه غارقاً في تدفق هائل من الأخبار، لكنه يكتشف بمرارة أن فهمه لما يحدث يأتي من منظور الآخرين أكثر مما ينبع من رؤيته الخاصة. هذه الظاهرة ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي إشكالية عميقة تمس جوهر وجودنا في الساحة الإعلامية العالمية.

الفجوة بين ما يُقال وما نحتاج إلى فهمه

في الحروب المعاصرة المرتبطة بإيران على سبيل المثال، لا تكمن المشكلة في وفرة المعلومات، بل في طبيعتها الجوهرية. ما يُنشر ليس مجرد أخبار محايدة، بل هو روايات تُبنى بعناية وفق مصالح سياسية واقتصادية، وتُصاغ لتناسب جمهوراً محدداً. كل معلومة تصل إلينا تحمل سياقاً مختلفاً، وزاوية نظر مغايرة، وأولويات لا تتطابق مع أولوياتنا العربية.

خذ الإعلام الأمريكي كمثال، رغم قوته التقنية ومهنيته العالية، إلا أنه لا يعمل كمرآة تعكس العالم بموضوعية، بل كمرآة تعكس بيئته الداخلية. الأسئلة التي يطرحها تنبع من اهتمامات محلية: كيف تؤثر الحرب على القرار السياسي الأمريكي؟ كيف تمس الاقتصاد الأمريكي؟ وكيف تؤثر على الرأي العام هناك؟

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

بينما نحن في السعودية ودول الخليج، نبحث عن إجابات مختلفة جذرياً: كيف سينعكس التصعيد العسكري على أمن المنطقة؟ ما تأثيره على أسواق الطاقة العالمية؟ وكيف سيؤثر على الاستقرار الإقليمي؟ هذه الأسئلة الحيوية لا تجد حضوراً كافياً في الإعلام الغربي، لأنها ببساطة ليست في صلب اهتماماته.

وسائل التواصل الاجتماعي وتعقيد الرواية

تتضاعف الإشكالية عندما تنتقل هذه الروايات إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تختصر النقاشات المعقدة وتتحول إلى حقائق مزعومة تنتشر بسرعة البرق. تتحول وجهات النظر إلى معلومات مؤكدة دون تمحيص أو قراءة نقدية، مما يخلق واقعاً إعلامياً مشوهاً.

هذه الحالة ليست جديدة، بل تكررت في محطات تاريخية عديدة:

  • في حرب كبرى سادت رواية رسمية حول مبررات التدخل، قبل أن تظهر فجواتها لاحقاً
  • في نزاع طويل الأمد، قُدمت الأحداث ضمن إطار واحد مبسط، بينما كان الواقع أكثر تعقيداً
  • في قضايا أمنية حساسة، بدأت التساؤلات من أطراف محدودة قبل أن تتحول إلى نقاش عالمي

في كل هذه الأمثلة، لم تكن الحقيقة غائبة تماماً، لكنها لم تكن مكتملة منذ البداية، وكانت الرواية المهيمنة تحجب جوانب أساسية من الصورة الكاملة.

نحو رواية عربية مستقلة

في هذا السياق، يكتسب طرح وزير الإعلام الكويتي السابق سعد بن طفلة أهمية خاصة، عندما أكد في لقاء عبر قناة العربية مع المذيع نايف الأحمري على ضرورة امتلاك قراءة عربية خاصة، تنطلق من واقع المنطقة ومصالحها، لا من انعكاس ما يُطرح خارجياً. هذا الطرح يعيد تعريف موقعنا في الأحداث العالمية، لا كمشاهدين سلبيين، بل كأطراف معنية مباشرة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ما يحدث اليوم يعيد إنتاج المشهد ذاته، لكن بوتيرة أسرع وأكثر تعقيداً. الأخبار تنتشر لحظة بلحظة، والروايات تتعدد وتتنافس، بينما الفهم الحقيقي يحتاج إلى وقت وتأمل لا تمنحهما سرعة اللحظة الإعلامية.

التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومة، بل في كيفية قراءتها وتحليلها. المشكلة أننا في كثير من الأحيان نكتفي بنقل الأخبار دون بناء سياق يربط الحدث بواقعنا، نتابع الخبر لكن لا نفسره من موقعنا، فتتحول المتابعة إلى استهلاك سلبي بدلاً من أن تكون فهماً عميقاً.

نحتاج إلى إعلام عربي لا يكتفي بمتابعة الحروب والأحداث، بل يفهمها من موقعه الخاص، إعلام يربط الحدث العالمي بتأثيره المباشر علينا، ويطرح الأسئلة التي تهم مجتمعاتنا، ويقدم قراءة تضيف قيمة حقيقية، لا تكرر ما يقوله الآخرون. لأن الإشكالية الحقيقية ليست في كثرة الروايات المتاحة، بل في غياب روايتنا العربية، التي إذا امتلكناها سنعرف كيف نقرأ العالم من منظورنا الخاص.