السيناريو الأقل ضرراً في الصراع مع إيران: تحليل استراتيجي للمواجهة الأميركية
قبل الخوض في تفاصيل النص، من الضروري توضيح موقف مبدئي واضح: أتمنى زوال النظام الإيراني تماماً كما أتمنى زوال الكيان الصهيوني، وأقف بكل إخلاص مع دول مجلس التعاون الخليجي في كل موقف وخندق. عزيزي القارئ، يبدو أننا نعيش لحظة حاسمة قرر فيها "العم سام" وضع كل بيضه في سلة واحدة، وهي سلة مثقوبة بالأساس.
المواجهة المباشرة: أكبر خطأ استراتيجي في القرن
ما يحدث اليوم في المواجهة المباشرة مع إيران ليس مجرد جولة أخرى من صراعات الشرق الأوسط المملة التي قادتها إيران وأميركا وإسرائيل لعقود، بل هو كما يهمس المطلعون في أروقة القرار الغربي، أكبر خطأ إستراتيجي في القرن الحادي والعشرين. إنها اللحظة التي قررت فيها أميركا كشف "مستور" قوتها، ووضع حد لأسطورة "الردع التكتيكي" التي عاشت عليها.
بينما كانت الطائرات من طراز "بي تو" والقنابل الذكية تثير الرعب بمجرد ذكر أسمائها في المحاكيات، جاءت هذه الحرب لتجعل الأقمار الاصطناعية الروسية والصينية تتفرج "بالمجان" على أحدث التقنيات الأميركية وهي تعمل في الميدان، تجمع الترددات، وتحلل الإستراتيجيات، وتفكك شفرات التفوق التي لم تكن تحلم برؤيتها من قريب.
الضربة القادمة: ليس من إيران بل من منافسين جدد
العم سام الذي كان يعيش على السمعة والسيط، سيتلقى الضربة، ولكن ليس من إيران كما يتوقع محللو الشرق الأوسط، بل من الصين وروسيا كما يتوقع الخبراء الإستراتيجيون في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا. المفارقة تكمن في أن أميركا، التي كانت تظن أنها ستنهي الأمر بضربة خاطفة، وجدت نفسها في حرب استنزاف.
في غضون أسابيع قليلة، أطلقت مئات الصواريخ التي تتجاوز تكلفتها المليارات. والأدهى من ذلك، أن الحلفاء التقليديين في أوروبا، كإيطاليا وإسبانيا، بدأوا يغلقون أبوابهم وأجواءهم في وجه الطائرات الأميركية، خوفاً من الانزلاق في أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مما ترك واشنطن وحدها في محاولاتها لإيجاد قواعد بديلة.
موقف دول الخليج: حكمة في تجنب الصراع
وسط هذا الضجيج، تبرز المقاربة الحكيمة لقادتنا في دول مجلس التعاون بعدم الانخراط الفعلي في هذا الصراع. لنبقى في وضعية الدفاع من العدوان الإيراني الغاشم، لأن النظام الإيراني سيسقط في كل الأحوال، سواء على يد ترامب ونتنياهو أم على يد الإيرانيين في الداخل.
ولكن المراهنون على أن سقوط النظام الحالي في طهران سيأتي بـ "جيران من الملائكة"، عليهم أن يراجعوا دروس التاريخ والواقع جيداً. إن البديل القادم، سواء كان ملكياً أو قومياً متشدداً، قد يحمل من العنصرية تجاه العرب ما يفوق بمراحل خلافات النظام الحالي الأيديولوجية.
هؤلاء القوميون لا يخفون أحلامهم في إحياء الإمبراطورية الفارسية العظمى، ولا يترددون في المجاهرة بمطامعهم في البحرين والجزر الإماراتية، بل ويعتبرون الخليج بحيرة فارسية خالصة.
الخلاصة: حرب أميركا الأخيرة في المنطقة
إنها حرب أميركا الأخيرة في منطقتنا قبل أن تولي وجهها شطر المحيط الهادئ لمواجهة التنين الصيني، فلا نكون نحن الحطب الذي يحترق لتأمين انسحابها. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر، وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.



