قضية إثبات الولاء: بين المطالبات المستحيلة والواقع المرير
في ظل أجواء سياسية متوترة، تطفو على السطح بين الحين والآخر مطالب غريبة بإثبات الولاء الوطني، بعضها يصل إلى حد السخافة كما في القصة التي رُويت عن رجل طُلب منه حرق أطراف أصابعه كدليل على وطنيته. فحرق تسعة أصابع، وعندما انطفأت النار، سأل إن كانوا يصدقونه الآن، فأجابوه بـ"لا" لأنه لم يحرق الإصبع العاشر. هذه الحكاية تختزل إشكالية عميقة: من في قلوبهم مرض لن يقتنعوا بوطنيتك أبداً، بغض النظر عن انتمائك.
الخيانة بلا مذهب والولاء بلا ضمانات
الخيانة، كما تؤكد الوقائع، لا تعترف بمذهب أو انتماء. لقد شهدنا خلال الاحتلال الصدامي للكويت صوراً للخيانة من مختلف الخلفيات والانتماءات. والمطالبة من أفراد ينتمون لمكون محدد -كالشيعة مثلاً- بإثبات ولائهم للوطن وليس لإيران، هي مطالبة واهمة. فالأمر لا يتعدى كونه تصريحات قد تكون كاذبة إذا شكل قول الحقيقة خطراً على حياة الشخص.
المنطق البسيط يقول: قد يكون الصامت أكثر ولاءً لوطنه من ذلك الذي يملأ الصحف بالمقالات والأشعار المعبرة عن حب الوطن. فالأصل أن الولاء للوطن أمر مفترض، ومن يثبت عليه العكس يحاكم ويعاقب. ولا يجوز استثناء أي مكون من هذه المطالبات غير المنطقية، فالانتماء لمذهب أو قبيلة لا يعني بالضرورة الولاء المطلق للوطن، ولا العكس.
تجارب الكويت مع الولاءات الخارجية
سبق للكويت أن عرفت حالات عدة من الولاء السياسي لقوى خارجية، وتعاملت معها بحكمة، حيث تم ترحيل بعضها للجهات التي كانوا يوالونها. وهؤلاء اكتشفوا لاحقاً أن موالاتهم لم تكن عقلانية، فبذلوا جهوداً كبيرة للعودة إلى وطنهم.
أما الموالون لإيران كمرجعية دينية فقط، فكانوا تاريخياً قلة، حيث كانت مرجعية النجف تحتل الصدارة في الولاء وجمع أموال الخمس. لكن النسبة تغيرت لصالح إيران بعد الثورة الخمينية، وبدأ الخلط بين الولاء السياسي والمذهبي، مما أدى إلى ضياع الحدود وكثرة الجدل.
قصص مريرة: الشاهبندر والقبنجي نموذجاً
يقدم السياسي العراقي المعروف عزت الشاهبندر، الناشط الشيعي والقيادي السابق في حزب الدعوة، شهادة مؤلمة. فقد حارب مع القوات الإيرانية في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وكان مسؤولاً عن شؤون بعض العراقيين المقيمين في إيران. عاش هناك عاماً ونصف العام، عانى خلالها من إهانات واحتقار للعراقيين.
في مقابلة على اليوتيوب، يروي الشاهبندر كيف ذهب للقتال ضد بلده، لكنه تعرض للإهانات والبصق، وضُربت جوازات السفر على وجوههم، وحُرموا من خدمات وامتيازات حصل عليها الإيرانيون، حتى أن أطفالهم لم يُقبلوا في المدارس.
أما رجل الدين العراقي الشيعي أحمد القبنجي، ابن الأسرة النجفية المعروفة، فقد حارب أيضاً في صف إيران ضد وطنه العراق، وخرج منها مشلول الذراع. وبسبب آرائه الإصلاحية التي لم تعجب إيران، اعتقل وسجن في زنزاناتها لسنوات، ولم تشفع له سيرته وتاريخه الحربي، بل تم التعامل معه كـ"خائن".
الوطن كالصحة والأم: لا تعرف قيمته إلا بعد فقده
المعضلة التي يرفض البعض إدراكها هي أن الوطن، كالكيان والهوية، يشبه الصحة والأم: لا نعرف قيمتهما إلا بعد فقدهما. هذا ما جربه الكثيرون خلال أشهر الاحتلال. فالكويت، كوطن، هي الملاذ والأمان.
أولئك الذين أعلنوا ولاءهم لإيران، سواء جهراً أو سراً، لأي سبب كان، هم بالنسبة لها -كما أثبتت الوقائع- ليسوا أكثر من عملاء أو أدوات، أو بالأحرى خونة أوطان. إيران لم تقدم لهم الحماية أو التقدير، بل استخدمتهم ثم تخلت عنهم.
الخلاصة التي تفرض نفسها: المطالبات غير المعقولة بإثبات الولاء تخلق مشاكل أكثر مما تحل. الأجدى هو افتراض الولاء حتى يثبت العكس، ومعاقبة من يثبت عليهم الخيانة وفق الأصول القانونية، دون تعميم أو اتهامات مسبقة. فالوطن يستحق منا الثقة المتبادلة، لا الشك الدائم.



