إسرائيل في عصرها الكاهاني: تحولات سياسية وتطرف يميني متصاعد
قد يقول قائل إن إسرائيل تعيش اليوم تحت سلطة أكثر حكوماتها تطرّفاً منذ تأسيسها عام 1948، وهذا الرأي يجد صدى لدى العديد من المراقبين، بما فيهم كاتب هذا المقال، الذي يؤكد أنه لم يكن شاهداً على حدث التأسيس نفسه، لكنه تابع التطورات عن كثب.
خلفيات تاريخية وتجارب شخصية
منذ تلك الفترة، أتيح للكاتب كما أتيح لغيري القراءة في التاريخ اليهودي، وتاريخ الحركة الصهيونية، وتاريخ النزاعات الدينية في أوروبا، وتاريخ الاستعمار الغربي للعالم الثالث ومنه بلاد العرب. لقد كان محظوظاً أيضاً بأنه لم يستقِ المعرفة فقط من بيئته العربية، بل استفاد من إقامته ودراسته في الغرب لمدة تقرب من نصف قرن.
طوال هذه المدة، خرج إلى أفق أرحب، وسقطت عنده مُسلّمات عديدة كان قد نشأ عليها، ومنها النظرة التبسيطية لخلفيات الصراع العربي الإسرائيلي، خاصة من الجانب الإسرائيلي. في لبنان الخمسينات والستينات، حتى يونيو 1967، لم يكن الإنسان اليهودي غريباً عن البيئة والثقافة، لكن العقود التالية هزّت ثوابت كثيرة.
تحولات في الإدراك والواقع
لم يعد يرى إسرائيل ككيان صغير يمكن اجتياحه بسرعة، وتأكّد له أن لها أهل ورعاة وحماة يتكاملون معها، ولها لوبيات ذات تأثير واسع. ومع هذا، لم يتعامل مع الأمر من موقع الانبهار أو الاستسلام غير المشروط، مؤكداً أن أي علاقات، حتى بين الخصوم، يجب أن تُبنى على الصدق والصراحة والاحترام المتبادل.
الحركة الصهيونية والتحولات السياسية
الحركة الصهيونية مرّت بتحوّلات كثيرة، واتّسعت في بدايتها لمشارب فكرية وسياسية متعددة. إسرائيل الحالية، التي يرأس حكومتها بنيامين نتنياهو، التلميذ النجيب لمدرسة اليمين التحريفي، لم تكن دائماً في خانة اليمين. فالقوى الصهيونية الاشتراكية، مثل حزب الماباي، كانت الأقوى في بدايات التأسيس، ولعبت دوراً محورياً عبر نقابات العمال والمزارع التعاونية.
لكن هذا الحال صار من الماضي، فاليوم هو عصر اليمين المتطرف. الحياة السياسية في إسرائيل تمتد من اليمين المعتدل، ممثلاً بيائير لابيد، إلى غلاة اليمين الاستيطاني الفاشي، ممثلاً بحزب القوة اليهودية بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش.
تأثير التيار الكاهاني
هنا تجدر الإشارة إلى الحاخام الأميركي المتطرّف مئير كاهانه، الذي أسّس حزب كاخ الإرهابي. حالياً، ينتظم تلامذته ضمن حزب بن غفير، الذي يضم نواباً متطرفين مثل يتسحاق كرويتزر، الذي قال إن قتل الأطفال الفلسطينيين أمر طبيعي إذا كان يخدم مهمة الجيش الإسرائيلي، وليمور سون هار-ميليخ، التي رعت مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
تحديات الديمقراطية والإجراءات المتطرفة
في ضوء هذا الواقع، ما عاد في إسرائيل مجال لصراع ديمقراطي مفتوح بين يمين ووسط ويسار. لا تقوم ديمقراطية ولا سيادة قانون عندما يُقدِم وزير الأمن الوطني على تسليح ميليشيات المستوطنين، ويخصّص وزير المالية مبالغ طائلة لنسف البيوت وتمويل الحروب وبناء المستوطنات، ويصوت البرلمان على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين حصراً، في تطبيق عملي لنظام تمييز عنصري.
ردود الفعل والنقد الداخلي
طبعاً، لا يجوز إنكار وجود شخصيات إسرائيلية عاقلة ونزيهة، وشخصيات يهودية شريفة في العالم، ترفض هذا الانزلاق نحو قوننة العنصرية. صحيفة هآرتس الليبرالية الإسرائيلية كتبت بأن عقوبة الإعدام التي أقرّتها حكومة نتنياهو تجسّد هيمنة التيار الكاهاني الكاملة على اليمين الإسرائيلي، مع إشارة إلى كتّاب موضوعيين مثل جدعون ليفي وأميرا هاس.
مفارقات وسلوكيات متناقضة
المفارقة أن إسرائيل، التي ترتكب المجازر وتدمر المستشفيات والمدارس وتقتل الأطفال وتنفذ التهجير الجماعي، هي نفسها التي تحاضر على العالم بفضائل الأخلاق والتعايش وحق الدفاع عن النفس. هذا الواقع يسلط الضوء على التناقضات الكبيرة في السياسة الإسرائيلية الحالية.



