قراءة مبكرة للصراع الإقليمي: تحليل يتنبأ بالدور الإيراني وتداعياته على الخليج
قراءة مبكرة للصراع: تحليل يتنبأ بالدور الإقليمي لإيران

قراءة مبكرة للصراع الإقليمي: كيف تنبأ تحليل صحفي بالدور الإيراني وتداعياته على الخليج

في الأيام الأولى لحرب غزة، التي اندلعت في أكتوبر 2023 وعُرفت بـ"عملية طوفان الأقصى"، نشرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية تحليلاً لكاتبها محمد الرميحي، حاول فيه قراءة ما وراء الحدث، ليس كمواجهة محدودة، بل كبداية لمسار مفتوح على احتمالات أوسع. اليوم، وبعد مرور أكثر من عامين، تثبت التطورات اللاحقة أن تلك القراءة المبكرة لم تكن مبالغة، بل كانت توصيفاً دقيقاً لواقع يتكشف تدريجياً.

التنبؤ بالدور الإيراني: من الخفي إلى الظاهر

في ذلك التحليل، أشار الكاتب إلى أن "اليد الإيرانية ليست بعيدة عن فكرة وتشجيع تلك العملية"، معتمداً على عدد من الشواهد. الفكرة المركزية كانت أن إيران ليست طرفاً بعيداً، بل هي "الفاعل الخفي الظاهر" في المشهد، عبر شبكة معقدة من العلاقات مع فاعلين غير حكوميين، مثل الميليشيات، في ساحات متعددة. هذا الجهد النشط، كما سُمي، لم يقتصر على الدعم السياسي أو الإعلامي، بل شمل منظومة متكاملة من التسليح والتمويل والتدريب، تمتد من غزة إلى جنوب لبنان، ومن العراق إلى اليمن، مع خلايا متعاطفة في أماكن أخرى.

ما حدث لاحقاً أكد دقة هذا التوصيف، حيث تحركت تلك الأذرع بشكل متزامن أو متدرج، محولة الحرب من مواجهة في غزة إلى حالة إقليمية مفتوحة. في العراق وسوريا، استُهدفت قواعد ومصالح دولية، وفي جنوب لبنان اندلعت مواجهات، وفي باب المندب ظهرت تهديدات جديدة لأمن الملاحة. هذه التحركات لم تكن عفوية، بل كانت جزءاً من استراتيجية تقوم على توزيع الضغط وتوسيع دائرة التوتر.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إيران كمرجعية إقليمية: فرض الحضور دون الجلوس على الطاولة

أشار التحليل المبكر أيضاً إلى أن إيران تسعى إلى فرض نفسها كمرجعية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية، لتصبح "الفيل الأبيض" في الغرفة الذي يفرض حضوره حتى دون مشاركة مباشرة. تجلى ذلك عندما عرض وزير خارجيتها السابق، حسين عبداللهيان، على حماس وإسرائيل تبادل الأسرى في طهران. هذه الفكرة تحققت إلى حد بعيد، فأصبح من الصعب الحديث عن تهدئة أو ترتيب إقليمي دون المرور عبر طهران ومراعاة مصالحها التوسعية.

تداعيات على دول الخليج: من التحذير إلى الواقع

حذر التحليل من أن دول الخليج قد تجد نفسها، رغم عدم رغبتها، جزءاً من مسرح الصراع. وهذا ما حدث فعلاً، حيث طالت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، سواء المباشرة أو عبر وكلاء، منشآت ومناطق في كل دولة خليجية منذ فبراير الماضي. هذه المحاولات تهدف إلى فرض معادلة جديدة تقول إن "الاستقرار لن يكون متاحاً في الإقليم ما لم تُراعَ مصالح الطرف الإيراني".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مع تكرار هذه الضغوط بأشكال مختلفة خلال العامين الماضيين، أصبحت البيئة الأمنية في الخليج أكثر هشاشة، وتأكدت الفكرة الأساسية أن الصراع لم يعد محصوراً بين إسرائيل وحماس، بل تحول إلى جزء من صراع إقليمي أوسع، تُستخدم فيه القضية الفلسطينية كغطاء.

برميل البارود: من الاحتراق البطيء إلى الانفجار الشامل

أشار التحليل إلى مفهوم "برميل البارود" كتوصيف لحالة الشرق الأوسط، وما جرى لاحقاً أثبت أن هذا البرميل لم يكن قابلاً للاشتعال فحسب، بل بدأ في إطلاق شرارات متتالية. رغم أن الانفجار الشامل لم يحدث إلا مؤخراً، فإن المنطقة كانت تعيش حالة من الاحتراق البطيء. اليوم، بعد مرور عامين وظهور النيات على السطح، يمكن القول إن ذلك التحليل المبكر أصاب الحقيقة، حيث تنبأ بطبيعة الدور الإيراني وآليات تحركه وامتداد الصراع إلى ساحات متعددة وتأثر الخليج بشكل مباشر.

الأهم أن التحليل لفت إلى أن المشكلة ليست في حدث واحد، بل في بنية صراع قابلة للتجدد. القراءة المبكرة كانت تحذيراً من أجندة نابعة من شهوة التوسع، وما لم تُعالج جذور هذا المسار، فإن المنطقة ستظل تعيش على حافة التوتر، مع هدنات مؤقتة واستقرار هش في انتظار جولة جديدة من التصعيد.

لا أحد يعرف مآلات الصراع الدموي القائم أو نتائجه النهائية، ولكن ما يمكن التأكيد عليه هو أنه دون تغيير عقيدة النظام الإيراني القائمة على تصدير الثورة وبناء أذرع مناصرة تحت عقيدة سياسية قومية مسندة إلى تفسير غيبي، فإن الأزمة سوف تطول. المشكلة ليست في التوقع، بل في تجاهله، وما حُذر منه وقع بالفعل.